الثانية : تأمل ما جاء من جناس في القرآن الكريم واستقصاء ظواهره .
الثالثة : استخلاص ما يفضل به القرآن وما يميزه ، فهذا هو منهج الرماني للكشف عن الإعجاز والذي أشار إليه في باب الإيجاز ويمكن تطبيقه على سائر أبواب البلاغة للكشف عن الإعجاز .
والشرط فيمن يطبق هذا المنهج - عند الرماني - أن يكون صاحب ذوق حساس وقد عبر عنه الرماني بقوله : " جيد الطبع " .
والشرط الثاني أن يكون قادرا على التمييز بين درجات الكلام ، وقد عبر عنه الرماني بقوله : " بصيرا بجواهر الكلام " وانظر إلى عبارته في سياق حديثه عن التلاؤم ، يقول : " والتلاؤم في التعديل [ بين الحروف ] من غير بعد شديد أو قرب شديد ، وذلك يظهر بسهولته على اللسان وحسنه في الأسماع وتقبله في الطباع ، فإذا انضاف إلى ذلك حسن البيان في صحة البرهان في أعلى الطبقات ظهر الإعجاز الجيد للطباع البصير بجواهر الكلام " « 1 » .
وهذه الأفكار القيمة نمت إلى حد ما عند الباقلاني لكنها لم تتطور تطورا ملموسا إلا عند عبد القاهر الذي وعاها ونماها وبنى عليها منهجه كما سيتبين بعد .
الموازنة التطبيقية :
إن الموازنة التي تؤدي إلى إبراز جهات التميز لم تكن فكرة عابرة عند الرماني ولكنها كانت راسخة في نفسه وتتردد في تطبيقاته بطريقة مباشرة أو غير مباشرة . أما الموازنة المباشرة المشهورة فكانت في باب الإيجاز يقول :
" وقد استحسن الناس من الإيجاز قولهم : " القتل أنفى للقتل " وبينه وبين لفظ القرآن تفاوت في البلاغة والإيجاز ، وذلك يظهر من أربعة أوجه : أنه أكثر في الفائدة وأوجز في العبارة وأبعد من الكلفة بتكرير الجملة ، وأحسن تأليفا بالحروف المتلائمة ، أما الكثرة في الفائدة ففيه - أي اللفظ القرآني - كل ما في قولهم :
" القتل أنفى للقتل " وزيادة حسنة منها إبانة العدل لذكر القصاص ، ومنها إبانة الغرض المرغوب فيه لذكر الحياة ، ومنها الاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم اللّه
هامش
( 1 ) النكت ضمن ثلاث رسائل 96 .