وقد قيل في وجه الشبه في الآية التي فصل عبد القاهر القول في تشبيهها المركب عدة أقوال :
أحدها : قال الجبائي : أنه تعالى شبه الحياة الدنيا بالنبات على وصفه في الاغترار به والمصير إلى الزوال ، كالنبات الذي يصير إلى مثل ذلك .
الثاني : أنه شبه الحياة الدنيا بالماء فيما يكون من المتاع ثم الانقطاع .
الثالث : أنه شبه الحياة الدنيا بحياة مقدرة على هذه الأوصاف « 1 » .
على أن الظاهر من الآية التشبيه بالماء مختلطا بنبات الأرض ، في مجموعة الصور المنتزعة من جمل الآية الكريمة .
ووجه تشبيه الدنيا بالماء أمران :
أحدهما : أن الماء إذا أخذت منه فوق حاجتك تضررت ، وإن أخذت قدر الحاجة انتفعت به ، فكذلك الدنيا .
الثاني : أن الماء إذا أطبقت عليه كفك لتحفظه لم يحصل فيه شيء ، فكذلك الدنيا » « 2 » .
وهناك وجه ثالث في وجه التشبيه به : أن الماء إذا جرى في المكان غادره إلى غيره ، وانطلق منحدرا عنه ، أما إذا بقي بمكانه فإنه يجف ويفنى ، وكذلك الدنيا سارية عادية ، فهذا لا يبقى وتلك لا تبقى ، فاتحدا معا في الفناء .
ولعل ابن ناقيا البغدادي قد أشار من طرف خفي إلى هذا الغرض مضيفا إليه النبات بقوله : « والتشبيه في الآية أحسن موقعا ، أبلغ معنى من جميع ما وصف به حال الدنيا ، وميل النفوس إليها ، مع قلة صحبتها ، والاستمتاع بلذاتها فكذلك حال النبات والماء في النضارة والحسن ثم العود إلى الجفاف واليبس » « 3 » .
هامش
( 1 ) الطوسي ، التبيان في تفسير القرآن : 5 / 417 .
( 2 ) السيوطي ، معترك الأقران : 1 / 271 .
( 3 ) ابن ناقيا ، الجمان في تشبيهات القرآن : 91 .