تصيدا لمعان قد لا تراد ، ووجوه قد لا تستحسن ، وعلاقات قد لا تستصوب .
المجاز المرسل يقوم بعملية تصوير موحية ، تنتقل بالذهن إلى آفاق من المعرفة لا يحققها اللفظ على حقيقته ، فمن الأفضل الاقتصار فيه على هذه العملية ، فما أراده من ذلك وساعدت عليه عملية التصوير فهو المعنى المجازي المختار ، وما احتيج معه إلى التكلف المضني ، والالتواء في الاستنباط ، فالابتعاد عنه مما يتمشى مع روح البلاغة العربية في مطابقة الكلام لمقتضى الحال .
وجوه المجاز المرسل
توسع البلاغيون في استخراج وجوه المجاز المرسل بما لا مسوغ له بلاغيا ، إذا بلغ حد التفريط المتعمد في علاقات مجازية متداخلة يقتضي انفصالها وفرزها دقة فلسفية لا ذائقة بلاغية ، ولا نريد نقد ذلك أو التعريض بقدر ما نريد من استنباط أهم هذه الوجوه في ضوء ما ورد في القرآن الكريم .
1 - تسمية الكل باسم الجزء الذي لا غنى عنه في الدلالة على ذلك الكل ، فكان ذلك الكل كأنه الشيء كله ، ويمثل له البلاغيون بعدّة نماذج من القرآن الكريم منها :
أ - قوله تعالى :
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 )
« 1 » فإن المراد بالقيام هنا هو الصلاة ، كما هو متداول في استعمالات القرآن الكريم عند إطلاق لفظ القيام ، فدلالة الكلمة تعني معنى : صل ، ولما كان القيام جزءا مهما وركنا أساسيا في الصلاة ، عبر عنها به .
ب - قوله تعالى :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ . . . ( 27 )
« 2 » فإن المراد بالوجه هنا الذات القدسية للّه عزّ وجلّ ولما كان الوجه هو ذلك الجزء الذي لا يستغنى عنه في الدلالة على الذات ، عبر به هنا عن الذات الإلهية ، على طريقة العرب في الاستعمال بإطلاق اسم الجزء وإرادة الكل .
هامش
( 1 ) المزمل : 2 .
( 2 ) الرحمن : 27 .