والطريف في الأمر أن يستند ابن رشيق القيرواني ( ت : 456 ه ) على الرماني في التعريف الذي اختاره ونسبه للرماني وهو به عيال على الجاحظ فقال :
« البيان : الكشف عن المعنى حتى تدركه النفس من غير عقلة ، وإنما قيل ذلك ، لأنه قد يأتي التعقيد في الكلام الذي يدل ولا يستحق اسم البيان » « 1 » .
فهذا التعريف الذي يسنده إلى الرماني وهو به عيال على الجاحظ كما أسلفنا ، لا يعطي رأيا في الموضوع إطلاقا ، نعم نجده يجعله فنا من فنون البلاغة كما جعله الرماني ، من ذي قبل فهو عند الرماني القسم العاشر من البلاغة وهو عند ابن رشيق الباب الثالث والثلاثون من العمدة ، ولم يعطنا أي جديد في الأمر ، بل يصح لنا أن نقول أنه مرّ به مترددا لم يتكلف فيه إلا عناء النقل وإيراد بعض الأمثلة التطبيقية .
ويبدو مما سبق أن البيان لم ينتقل عن معناه العام الواسع منذ عهد الجاحظ حتى عصر ابن رشيق ، بل كان دائرا في فلك المداليل العامة ، التي تعنى بجمال القول ، وبلاغة الكلام ، وانسجام العبارة ، وحسن الأداء ، وأشتات البيان .
البيان في طريق الاصطلاح :
ليس هناك أدنى ريب في أن عبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 ه ) يعد مطور البحث البلاغي ، وواضح أصوله في كتابيه الجليلين : دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة ، فقد سبر أغوار الفن البلاغي شرحا وإيضاحا وتطبيقا ، اعتنى باللباب من هذا العلم ، وأكد الجانب الحي النابض ، وابتعد عن الفهم العشوائي ، والخلط الغوغائي بين النظرية البلاغية وتطبيقاتها ، لم يعتن بالحدود المقيدة منطقيا ، ولم يعر للقوقعة اللفظية أهمية ، كان وكده منصبا حول ما يقدمه من نتاج فياض أصيل ينهض بهذا الفن إلى أوج عظمته وذروة مشاركته في بناء الهرم الإنساني ، فما ذا يجنى العلم من الجفاف في
هامش
( 1 ) ابن رشيق ، العمدة : 1 / 254 .