ويدلل عبد القاهر على صحة هذا الرأي ، ويضيف إليه أن معرفة المعاني الكنائية إنما تتأتى عن طريق العقل لا اللفظ فيقول : « وإذا نظرت إلى الكناية وجدت حقيقتها ومحصول أمرها : إنها إثبات لمعنى أنت تعرف ذلك المعنى من طريق المعقول دون طريق اللفظ : ألا ترى أنك لما نظرت إلى قولهم : هو كثير رماد القدر ، وعرفت ذلك من اللفظ ، ولكنك عرفته بأن رجعت إلى نفسك فقلت إنه كلام قد جاء عنهم في المدح ، ولا معنى للمدح بكثرة الرماد ، فليس إلا أنهم أرادوا أن يدلوا بكثرة الرماد أنه تنصب له القدور الكثيرة ويطبخ فيها للقرى والضيافة ، وذلك لأنه إذا كثر الطبخ في القدور كثر إحراق الحطب تحتها ، وإذا كثر إحراق الحطب تحتها كثر الرماد لا محالة . وهكذا السبيل في كل ما كان كناية » « 1 » .
وهناك شذرات من آرائه تدور حول هذا المركز ، وقد تتعلق ببلاغة الكناية ، وقد توحي بالتعريف : « ألا ترى أنك إذا قلت : هو كثير رماد القدر ، أو قلت : طويل النجاد ، أو قلت في المرأة : نؤوم الضحى : فإنك في جميع ذلك لا تفيد غرضك الذي تعني من مجرد اللفظ ، ولكن يدل اللفظ على معناه الذي يوجبه ظاهره ، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى على سبيل الاستدلال معنى ثانيا هو غرضك » « 2 » .
وكأن عبد القاهر يريد بالكناية المعنى الثانوي الذي يستفاد من المعنى الأولي للفظ لا من اللفظ نفسه ، ومن جميع ما ذكره يتجلى تعريفه للكناية بإثبات معنى من المعاني لا يستفاد من اللفظ الموضوع له في اللغة ، ولكن من معنى المعنى الذي يستند إليه المعنى الأولي بما أومي به إليه ، وجعله دليلا عليه .
ه - وجاء من بعد عبد القاهر من نسج على منواله ، وأفاد من استدلاله على الوجه الآتي :
1 - فخر الدين الرازي ( ت : 606 ه ) وقد عرف الكناية بقوله : « اعلم أن اللفظة إذا أطلقت وكان الغرض الأصلي غير معناها فلا يخلو إما أن
هامش
( 1 ) الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 280 .
( 2 ) المصدر نفسه : 173 .