أحدهما : أن لا يظهر وجه التشبيه في الاستعارة بل يكون تقدير التشبيه فيها عسرا صعبا ، فما هذا حاله بعد من أحسن أنواع الاستعارة ، وهذا كقوله تعالى :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ . . .
« 1 » .
فما هذا حاله استعارة لا يظهر فيها وجه التشبيه ، فلو أردت التكلف في إظهار وجه المشابهة لخرج الكلام عن حد البلاغة ، وكلما ازدادت الاستعارة خفاء ازدادت حسنا ورونقا ، وهذا هو مجراها الواسع المطرد .
وثانيهما : أن يكون هناك مشبه ومشبه به من غير ذكر أداة التشبيه ، فما هذا حاله من الاستعارة دون الأولى في الحسن ، والتمثيل في القرآن كقوله تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 )
« 2 » .
فالآية إنما جاءت مسوقة على أن حال هؤلاء الكفار قد بلغوا في الجهل المفرط والعمى المستحكم في الإصرار والجحود على ما هم عليه من الكفر والعناد ، بمنزلة من هو أصم أبكم أعمى فلا يهتدي إلى الحق ، ولا يرعوي عما هو عليه من الباطل » « 3 » . والحق أن ما ذكره العلوي وارد بالنسبة للشق الأول في التقرير لا في المثال ، وذلك أننا أوضحنا فيما سبق من هذا المبحث أن وجه الشبه الاستعاري في الإذاقة واللباس حسي إلى معنوي عقلي وهما الجوع والخوف ، إلا أن يريد بوجه التشبيه العلاقة القائمة بين المشبه والمشبه به لا نسبة هذا الشبه ، فيكون الأمر كما فرر .
وأما ما أورده في الطرف الثاني فمناقش فيه إذ قوله تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 )
« 4 » من التشبيه البليغ على أسلم الوجوه ، لا من الاستعارة كما يتوهم ، إذ قد تختلط الاستعارة بالتشبيه البليغ لتوهم اشتمالها
هامش
( 1 ) النحل : 112 .
( 2 ) البقرة : 18 .
( 3 ) العلوي ، الطراز : 3 / 345 .
( 4 ) البقرة : 18 .