ولكن الحديث عن الاستشراق والمستشرقين حديث ذو شجون ، وهو لن ينتهى ما دامت السماوات والأرض ، وما دامت الحضارات الإنسانيّة في حالة حوار دائم أو قل في حالة صراع دائم .
أخطر ما في هذا الحديث أنّه حديث يتراوح عادة بين العاطفة والعقل ، والعاطفة غالبا ما تغلب ، بين البغضاء والمودّة - والبغضاء كثيرا ما تنتصر - وبين الانحياز والحياد - والانحياز قد اعتاد أن يفوز - وبين الذاتيّة والموضوعيّة - والذاتيّة هي المتفوّقة بشهادة وقائع التاريخ . .
ثمّ ما الموضوعيّة هذه التي يتكلّم عنها الباحثون في الغرب والشرق ليل نهار ؟ وفي مجال الدراسات الإنسانيّة على وجه الخصوص ؟ هل ثمة موضوعيّة تامة ؟ وحياديّة كاملة ؟ إن الإجابة بالنفي لا تحتاج إلى أكثر من إعمال عقل .
« المستشرقون » صارت كلمة فضفاضة واسعة ، ضائعة المعالم والحدود ، وأريد أن أذكر أنّنى اتصلت بجامعات فرنسا وألمانيا وإيطاليا طالبا وأستاذا ، ولم أجد قط من يستعمل كلمة مستشرق ، بل إن أحد كبار المشتغلين بعلوم الإسلام في باريس « أرنالديز » قال إنّه يرفض هذه التسمية المليئة بالخلفيّات والأحكام المسبقة ويفضّل أن يسمّى مؤرخا ومفكّرا . وكثيرا ما نردّد نحن في بلادنا ومجتمعاتنا العلميّة وغيرها هذه الكلمة ، مشحونا معناها بالمبالغات والتصوّرات العاطفيّة ، وننسى أن هؤلاء المستشرقين أوّلا وأخيرا بشر وليسوا ملائكة ولا شياطين ، إنّهم مثلنا نتاج حضاراتهم ولغاتهم وآدابهم وتاريخهم وعقائدهم عبر قرون ، إنهم يعلمون ويجهلون ويصيبون
إشكاليات ترجمة معاني القرآن الكريم ( اللغة والمعنى ) — صفحة 18
مساهمون: محمود العزب
ص١٨