أر في أشياخي أكثر اشتغالا منه ، لأني لم أره إلا يسمع ، أو يشتغل ، أو يكتب ، ولم أره على غير ذلك ، وله إقبال على الطلبة الأذكياء ، وعنده تعظيم لهم ، ونظم ونثر ، وله الموشحات البديعة ، وهو ثبت فيما ينقله محرر لما يقوله ، عارف باللغة ضابط لألفاظها ، وأما النحو والتصريف فهو إمام الدنيا فيهما ، لم يذكر معه في أقطار الأرض غيره في العربية ، وله اليد الطولى في التفسير والحديث والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وتواريخهم وحوادثهم ، خصوصا المغاربة ، وتقييد أسمائهم على ما يتلفظون به من إمالة وترخيم وترقيق وتفخيم ؛ لأنهم مجاورو بلاد الفرنج وأسماؤهم قريبة ( من لغاتهم ) « 1 » ، وألقابهم كذلك ، كل ذلك قد جوّده وقيده وحرره » « 2 » .
وقال بعض من كتب عنه : « وهو شيخ فاضل ما رأيت مثله ، كثير الضحك والانبساط ، بعيد عن الانقباض ، جيد الكلام ، حسن اللقاء ، جميل المؤانسة ، فصيح الكلام ، طلق اللسان ، ذو لمة وافرة ، وهمة فاخرة ، وله وجه مستدير ، وقامته معتدلة التقدير ، ليس بالطويل ولا القصير » « 3 » .
وكان عفيف النفس أبيا ، لا يطمع في شيء غير تلاوة القرآن والأعمال الصالحة ، وإلى ذلك يشير بقوله :
أريد من الدنيا ثلاثا ، وإنها * لغاية مطلوب لمن هو طالب
تلاوة قرآن ونفس عفيفة * وإكثار أعمال عليها أواظب « 4 »
وكان كثير الخشوع والبكاء عند قراءة القرآن . وهو أشعري المعتقد « 5 »
هامش
( 1 ) هذه الزيادة في نفح الطيب فقط 2 / 541 .
( 2 ) ينظر : الوافي بالوفيات 5 / 267 - 268 ، ونكت الهميان 280 ، وقد نقل هذا المقري في نفح الطيب 2 / 540 - 541 .
( 3 ) نفح الطيب 2 / 565 .
( 4 ) تكملة الديوان 426 ، ونفح الطيب 2 / 564 .
( 5 ) الدرر الكامنة 4 / 206 - 307 ، والبدر الطالع 2 / 291 ، وبغية الوعاة 1 / 282 .