كتبه بعض المحدثين اعتمادا على تلك الرسائل . فما أوسع الفرق بين الكتب القديمة الزاخرة بالدراسة الصوتية العميقة ، وبين الرسائل الموجزة التي يقرأ الناس فيها هذا العلم اليوم ! وقد فتح لي ذلك التتبع لمصادر علم التجويد آفاقا من البحث واسعة ، ولكني آثرت الوقوف أولا عند قضية أساسية ، هي البداية لكل ما سيتلوها من أبحاث في هذا العلم ، إن شاء اللّه ، هذه القضية هي البحث عن بداية التأليف في هذا العلم ، وظهور أول كتاب خاص به .
والذي جعلني أقف عند هذا الموضوع قبل غيره هو غموض نشأة هذا العلم ، عند من كتبوا عنه في زماننا ، على قلة ما كتبوا ، فقد قال بعضهم ، وهو يتحدث عن جهود اللغويين العرب في دراسة الأصوات « 1 » : « وأسهم علماء التجويد والقراءات القرآنية بقدر لا يجحد في هذا الميدان ، ولسنا نملك لهذا النوع من الدراسة مادة كافية تسمح بتتبع تطوره ووصف المراحل التي قطعها حتى صار علما مستقلا هو علم التجويد . . . » .
وتحدث بعض من كتب في هذا العلم من المحدثين عن ذلك ، فقال « 2 » :
« قال بعضهم : واضعه الأئمة القراء . وأول من دوّن فيه قيل : أبو مزاحم الخاقاني ، وقيل : موسى بن عبيد اللّه المقرئ البغدادي . وقال بعضهم : دوّن هذا العلم أئمة القراءة في عصر التدوين عند اختلاط العرب بالأعاجم ، وفساد اللسان ، محافظة على كتاب اللّه تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 )
[ الحجر ] ، وأوّل من أفرده بالتأليف موسى بن عبيد اللّه بن خاقان البغدادي المتوفى سنة 325 ه » .
لعل هذا هو كل ما يمكن أن يعثر عليه الباحث عند المحدثين حول نشأة
هامش
( 1 ) أحمد مختار عمر : البحث اللغوي عند العرب ص 77 .
( 2 ) فرج توفيق الوليد : قواعد التلاوة وعلم التجويد ص 17 .