بل لا يعقل نسخ جملة من الأحكام كوجوب الاعتقاد بالمعارف الإلهية الحقة ووجوب العدل وحرمة الظلم .
نعم نسخت بعض الأحكام وإلا فجميع الأديان مشتركة في التوحيد والنبوة والمعاد ، بل الإمامة ، لأنه كان لكل نبي وصي ، فالشرائع إنما هي مدارس إلهية تكاملية إلا بالنسبة إلى جملة من الأحكام التي كانت ذات مصالح زمنية وكانت في أغلبها مشقة اقتضت المصلحة تحميلها على بعض الأمم ، ويدل على ذلك قوله تعالى :
رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا
« 1 » ، الآية . .
وبالجملة ، نسخ الأديان بالمعنى الّذي قلنا من مجيء الشرائع كل تلو الأخرى أمر بديهي ضروري تاريخيا لا مجال لإنكاره ، فاليهود مجازفون في هذه الدعوى التي تكذبها حتى توراتهم المحرفة وقد سمعت أن عيسى ( ع ) قد بشر بمجيء نبينا ( ص ) ، وقال اللّه تعالى :
وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ
« 2 » وناهيك على ذلك معرفة الأحبار بنبوة نبينا ( ص ) وعلم الرهبان بسماته وصفاته .
المطلب الثاني : في الاستدلال على امتناع النسخ في الأحكام عقلا والجواب عنه :
يمكن أن يستدل على امتناع النسخ بأمرين :
1 - الشيء لا يخلو اما أن يكون ذا مصلحة يؤمر به لأجلها أم لا ، فإن كان ذا مصلحة وجب عقلا أن يؤمر به كل مكلف في كل زمان على مذهب العدلية والإمامية القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين ، وإن لم يكن ذا مصلحة وجب
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 286 .
( 2 ) سورة الصف ، الآية : 6 .