الأنبياء - صلوات اللّه عليهم وسلامه - وأنهم ذكروا ما ذكروه على سبيل المصلحة ، تمثيلا لجماهير الخلق وتفهيما ، وهذا هو الكفر الصراح ، الذي لم يعتقده أحد من فرق المسلمين « 1 » .
فأما ما عدا هذه المسائل الثلاث ، من تصرفهم في الصفات الإلهية ، واعتقاد التوحيد فيها ، فمذهبهم قريب من مذهب المعتزلة ، ومذهبهم في تلازم الأسباب الطبيعية ، هو الذي صرح به المعتزلة ، في التولد ، وكذلك جميع ما نقلناه عنهم ، قد نطق به فريق من فرق الإسلام إلا هذه الأصول الثلاثة .
فمن يرى تكفير أهل البدع ، من فرق الإسلام يكفرهم أيضا بها ، ومن يتوقف عن التكفير ، يقتصر على تكفيرهم بهذه المسائل الثلاث .
وأما نحن فلسنا نؤثر الآن الخوض ، في تكفير « 2 » أهل البدع ، وما يصح
هامش
( 1 ) لو عاش الغزالي حتى عاصر « الخيالي » و « ابن تيمية » لوجد من يعتقده أو على الأقل من يجوز اعتقاده .
( 2 ) غريب من الغزالي هذا التوقف ، وهو مظهر يجعلنا لا نشك في أنه متزمت ، متشدد ، وأية شدة أبلغ من أن يذهب في هذه العبارات مذهبا ، يوهم أن مخالفة الأشاعرة ، في مسألة من المسائل ، مهما هان أمرها ، ولو كانت القول ، بعدم زيادة الصفات على الذات ، كفر ، يستوجب غضب الجبار ، والخلود الدائم في النار .
* * * ولكنا نعرف الغزالي في مظهر آخر غير هذا المظهر ، نعرف الغزالي الذي يحتاط جد الاحتياط في مسألة الكفر والإيمان ، حتى ليزجر الناس ، عن أن يضعوا كلمة الكفر على أطراف شفاههم .
يلفظونها بغير حساب ، ويرمون بها الناس ، لا إحقاقا لحق ، ولكن جريا وراء الهوى والغرض ، وذلك حيث يقول :
« من كفر مسلما فقد كفر » .
* * * ونعرف الغزالي سمحا سهلا ، يؤاخى بين النظار ، ولا يريد لهم أن يرمى بعضهم بعضا بالكفر لأنهم لا يختلفون إلا في مسائل دقيقة ، ليس إدراك الحق فيها سهلا . ولا هينا ، فلا ينبغي أن يثق واحد منهم برأيه ، الوثوق الذي يجعله يعتقد أن رأيه هو الحق الصراح ، ورأى مخالفه هو الكفر المبين ، وذلك حيث يقول في فيصل التفرقة :