« إنه لا يخلو :
إما أن تكون النفوس تعود إلى المادة التي فارقتها
أو إلى مادة أخرى .
وقيل من حكاية مذهب المخاطبين بهذه الفصول : أنهم يرون عودها إلى تلك المادة بعينها ، فحينئذ لا يخلو :
إما أن تكون تلك المادة هي المادة التي كانت حاضرة عند الموت .
أو جميع المادة التي قارنته جميع أيام العمر .
فعلى الأول . أي إن كانت المادة الحاضرة حالة الموت فقط ، وجب أن يبعث المجدوع ، والمقطوع يده في سبيل اللّه ، على صورته تلك ، وهذا قبيح عندهم .
وإن بعث جميع أجزائه ، التي كانت أجزاء له مدة عمره ، وجب من ذلك أن يكون جسد واحد بعينه يبعث يدا ، ورأسا ، وكبدا ، وقلبا . وذلك لا يصح ؛ لأن الثابت أن الأجزاء العضوية دائما ينتقل بعضها إلى بعض في الأغتذاء ، ويغتذى بعضها . من فضل غذاء البعض .
ووجب أن يكون الإنسان المغتذى من الإنسان - في البلاد التي يحكى أن غذاء الناس فيها الناس - إذا نشأ من الغذاء الأنسانى ، أن لا يبعث ؛ لأن جوهره من أجزاء جوهر غيره .
وتلك الأجزاء تبعث في غيره ، أو يبعث هو ويضيع أجزاء غيره ، فلا يبعث ؟
فإن أجبت بأن المعاد ، إنما هو بالأجزاء الأصلية ، وهي الباقية من أول العمر إلى آخره ، لا جميع الأجزاء على الإطلاق ، وهذا الجزء فضلة في الإنسان ، إن أكله فلا يجب إعادة فواضل المكلف ، ثم إن كان من الأجزاء الأصلية للمأكول أعيد فيه وإلا فلا .
وإن قالوا : أن المبعوث من أجزائه أجزاؤه التي تصلح بها حياته ، فلا خلاص
تهافت الفلاسفة — صفحة 20
مساهمون: الغزالي
ص٢٠