موقفه بالنسبة للبعث الجسماني في النص الواحد ، لم يصح - عندي - شفيعا للغزالي في أمرين أخذتهما عليه :
أولهما : أنه إذا كان ابن سينا متعارضا يثبت البعث الجسماني وينفيه ، فمن أين للغزالي القطع بأن ابن سينا ينكر البعث الجسماني ؟ ولماذا يأخذ طرفا معينا من الطرفين اللذين يتردد بينهما ابن سينا ويسجله عليه ، ويضرب بالآخر عرض الحائط ؟
وثانيهما : التساؤل عن مصدر الدليل الذي يرويه الغزالي بلسان خصومه على أنه عدتهم ومستندهم في إنكار البعث الجسماني ؛ إذا لم يرد للدليل الذي حكاه الغزالي في التهافت على لسان الفلاسفة ، تعزيزا لإنكار البعث الجسماني ، ذكر لا في « الشفاء » ولا في « النجاة » وهما أوسع وأشهر ما كتب ابن سينا في الفلسفة
ولأنى - في ذلكم الوقت - لم أجد للغزالي مخرجا من هذا الذي اعتبرته منه تورطا وافتياتا على الحقيقة وعلى خصومه ، فقد أنحيت عليه باللائمة قائلا : - في التعليق على النص المقتبس من كتاب النجاة -
« هذا هو رأى ابن سينا في البعث ، وهو - كما ترى - شطران :
أحدهما : يرجع فيه إلى الشريعة المحمدية ، وما جاء فيها عن بعث البدن ونعيمه وعذابه ، وقد آمن بكل ذلك وأذعن له .
وثانيهما : يرجع فيه إلى العقل وما تأدى إليه من بعث الروح ونعيمها وغذابها وقد حكى كل ذلك أيضا حكاية المذعن المؤمن .
والذي لا يستطيع المنصف أن يمارى فيه ، أن ما جاء في الشطر الثاني يكاد يودى بما جاء في الشطر الأول ، إذ قد جعل مناط السعادة والشقاوة في الخلاص من البدن ، فالنفوس التي توفرت لديها أسباب السعادة ، إنما كان يمنعها من الشعور بها البدن ، فإذا خلعته وتخلصت منه ، استذوقت سعادتها واستكملتها .
والنفوس التي توافرت لديها أسباب الشقاوة ، إنما كان يحول بينها وبين الشعور بها ، البدن وشواغله ، فإذا ألقته جانبا ، تأذت وتألمت .
ولقد ورد في عبارته ما يفيد أن كلا الصنفين من النفوس سيفارق بدنه إلى غير رجعة ، ومعنى هذا إنكار البعث الجسماني ، وما يترتب عليه من نعيم البدن وعذابه .
تهافت الفلاسفة — صفحة 18
مساهمون: الغزالي
ص١٨