الحقائق الإلهية ، ولهذا ، يحاول الغزالي فيه أن ينتزع ثقة الناس من العقل كمصدر تتعرف منه المسائل الإلهية ، ولكن الغزالي إذ يحاول ، تقييد سلطة العقل ، ويتخذ من العقل نفسه مطية للوصول إلى هذه الغاية . فإن عمله هذا يكون محاولة عقلية لإثبات قصور العقل في ميدان الإلهيات ، وشهادة عقلية بأن للعقل حدا يجب الوقوف عنده .
فمن نظر إلى الغاية من كتاب التهافت - تلك التي يصورها الغزالي نفسه ، بأنها انتزاع الثقة من الفلسفة - ورآه ، لهذا ، بعيدا من نطاق الفلسفة ، فهو مضطر إلى اعتبار وسيلته - تلك التي تقوم على استعراض مناهج الفلاسفة وأدلتهم ، واستخدام العقل وحده للكشف عن قصورها وعجزها ، وضعفها وركتها - عملا داخلا في صميم الفلسفة . إنه عمل يمكن تصويره بأنه بحث في طاقة العقل وهل يمكن أن يكون عمل كهذا بعيدا عن مجال الفلسفة ؟
ولقد قال أرسطو قديما :
« إن من ينكر الميتافيزيقا ؛ يتفلسف ميتافيزيقيا »
وقال :
« فلنتفلسف إذا اقتضى الأمر أن نتفلسف ، فإذا لم يقتض الأمر التفلسف وجب أن نتفلسف لنثبت أن التفلسف لا ضرورة له » .
ولقد قال حديثا بعض الفلاسفة الميتافيزيقيين عن خصومهم من الفلاسفة الوضعيين :
« إنهم الفلاسفة الذين يفاخرون بأنهم ليسوا بفلاسفة ، إن موقفهم من إنكار الفلسفة موقف فلسفي لا محالة » .
وعلى هذا القياس يكون الغزالي قد تفلسف وهو يهدم الفلسفة ، فالتهافت - إذن - إن لم يكن فلسفي الغاية فهو فلسفي الموضوع .
2 - أما عن احتياط الغزالي وأمانته في تصوير أفكار خصومه التي يعرضها توطئة للرد عليها ، فأقول بصدده : أنى ما زلت أذكر حتى الآن سؤالا تقدم به زميل لي
تهافت الفلاسفة — صفحة 11
مساهمون: الغزالي
ص١١