له واحد ؟ وإن قلتم : وتر ، فالوتر يصير بواحد شفعا ، فكيف أعوزه ذلك الواحد الذي يصير به شفعا ؛ فيلزمكم القول بأنه ليس بشفع ولا وتر . . . إلخ »
هكذا يسرف الغزالي في البحث العقلي حول هذه المسألة إسرافا ، ويمعن فيه إمعانا . وعماه لا يبعد عن الحق من يقول : إن منهج الغزالي في بحث هذه المسألة أوضح وأدق من بحث ابن سينا . فهل يوجد - إذن - ما يبرر اعتبار أحد المسلكين فلسفة دون الآخر ؟
نعم إن مسلك الغزالي في كتاب التهافت قائم في معظمه على التشكيك والنقد ، ولكن التشكيك عمل علمي له قيمته ؛ فإن بعض الفلاسفة يذهب إلى القول بأن :
« وظيفة الفلسفة لا تقوم في وضع حلول المشاكل ، بل تقوم في تفنيد الحلول الموضوعة للمشاكل « 1 » » .
وأيضا فإنه لا يصح اعتبار النقد والتشكيك عملا سلبيا عديم الفائدة ، إنهما - فيما أعتقد - عمل يساعد على بناء وتشييد من نوع آخر . فلو أن شخصا اعتقد أن طريقا معينة يمكن أن توصل إلى الحق ، فكشف له إنسان عن نقص في هذه الطريق وأظهر له مثالبها وعيوبها ، فإن ذلك الإنسان يكون قد صرف ذلك الشخص عن باطل ، ونبهه إلى ضرورة البحث عن طريق أخرى عساها تكون أوثق وأصلح لتحصيل الغرض المطلوب .
إن أرسطو حينما زيف نظرية المثل الأفلاطونية ، لم يكن عمله هذا - وهو هدم لشئ يسمى فلسفة - بعيدا من معنى الفلسفة ؛ ثم إن عمله هذا كان خطوة تمهيدية لا بد منها ، للوصول إلى نظريته الجديدة التي ملأ بها فراغ النظرية التي استبعدها . إذ لو لم ينقد نظرية المثل الأفلاطونية - بل آمن بها - لم يكن هناك سبيل لكشف نظرية أخرى تحل محلها .
وإذا كان النقد داخلا هكذا ، في نطاق الفلسفة ، فكتاب التهافت - إذن - فلسفة .
نعم إن هدف كتاب التهافت هو إظهار العقل بمظهر العاجز عن اقتناص
هامش
( 1 ) أسس الفلسفة للدكتور توفيق الطويل ص 126 الطبعة الثانية .