الماضي لا يتناهى ، وكذا في المستقبل ، وما هو غير متناه لا يمكن ضبطه .
وحكى في المطارحات : أنّ المذهب هو للقدماء من البابليّين والحكماء الخسروانيّين والهند وجميع الأقدمين من مصر ويونان وغيرهما ، وأنّ الحجّة الّتى أوردها عليه له ، شكر اللّه سعيه .
وتقريرها على النّظم الطّبيعىّ أن يقال : كلّما كان في الوجود شئ يعلم كلّ الكائنات المستقبلة على ترتيبها ، كالنّفوس الفلكيّة ؛ أو ينتقش فيه كذلك ، كالأجرام الفلكيّة ، فتكرار كلّ ما يقع من الحوادث في الأعيان على الوجه المذكور واجب .
لكنّ المقدّم حقّ ، لما سبق من البيان ، فالتّالى حقّ . وبيان الشّرطيّة : أنّه لو لم يتكرّر كذلك ، لكان لذلك الشّىء معلومات مترتّبة غير متناهية ، أو كان فيه نقوش كذلك ، لامتناع انقطاع الحوادث في المستقبل .
وهو باطل من وجهين :
الأوّل : أنّ الحوادث الغير المتناهية وإن كانت غير مجتمعة ، لكونها على التّعاقب ، لكنّها في الذّات المنتقشة بها لا بدّ وأن تكون مجتمعة ومترتّبة ترتّب الأزمنة لكلّ زمان مقتضاه . إذ الزّمان المتأخّر وما يوجد فيه ، كما انّه لا يوجد إلّا بعد زمان أو شئ آخر يتقدّمه ، فكذلك ينبغي أن يدركه المدرك للحوادث ، أو ينتقش به المنتقش ، به فيوجد سلسلة غير متناهية من أمور مترتّبة وموجودة معا ، وقد برهن على استحالته .
وإليه الإشارة بقوله : فإنّه إن كان في البرازخ العلويّة نقوش غير متناهية لحوادث مترتّبة لا يكون شئ منها إلّا بعد شئ ، فتلك النّقوش ، من السّلاسل المجتمعة المترتبة ، فيتناقض ما برهن عليه ، وهو محال .
الوجه الثّانى : أنّ هذه الأمور الغير المتناهية ، لا يخلو : إمّا أن لا يكون فيها ما لا يقع أبدا ، أو يكون فيها ما هو كذلك .
والقسمان باطلان . أمّا [ القسم ] الأوّل ، فلأنّه إذا لم يكن فيها ما لا يقع أبدا ، لكان يأتي ( 258 ) وقت يقع فيه الكلّ ، إذ لو لم يأت وقت كذلك ، لكان فيها ما لا يقع
شرح حكمة الاشراق — صفحة 506
مساهمون: محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
ص٥٠٦