الحقيقة ، وهو المنام الكاذب ،
وقد ذكروا له أسبابا ثلاثة :
الأوّل : أنّ ما يدركه الإنسان في حالة اليقظة من المحسوسات تبقى صورته في الخيال ، فعند النّوم ينتقل من الخيال إلى الحسّ المشترك ، فيشاهد هو بعينه إن لم تتصرّف فيه المتخيّلة أو ما يناسبه إن تصرّفت فيه .
والثّانى : إنّ المفكّرة إذ ألقت صورة انتقلت تلك الصّورة منها عند النّوم إلى الخيال ، ثمّ منه إلى الحسّ المشترك .
الثّالث : إذا تغيّر مزاج الرّوح الحامل للقوّة المتخيّلة تغيّرت أفعالها بحسب تلك التّغيّرات . فمن غلب على مزاجه الصّفراء حاكته بالأشياء الصّفر ؛ وإن غلب عليه الحرارة حاكته بالنّار والحمّام الحارّ ، وإن غلب عليه البرودة حاكته بالثّلج والشّتاء ؛ وإن غلب عليه السّوداء حاكته بالأشياء السّود والأمور الهائلة المفزعة .
وحصول هذه وأمثالها في المتخيّلة عند غلبة ما يوجبها ، إنّما كان لأنّ الكيفيّة الّتى في موضع ربما تعدّت إلى المجاور له أو المناسب ، كما يتعدّى نور الشّمس إلى الأجسام ، بمعنى أنّها تكون سببا لحدوثه ، إذ خلقت الأشياء موجودة وجودا فائضا بأمثاله على غيره ، والمتخيّلة منطبعة في الجسم المتكيّف بتلك الكيفيّة ، فتتأثّر به تأثّرا يليق بطبعها . وهي ليست بجسم حتّى تقبل تلك الكيفيّة المختصّة بالأجسام ، فيقبل منها ما في طبعها قبوله .
وإن كانت أمثال هذه حاصلة في حالة اليقظة ، فربما سمّيت أمورا شيطانيّة كاذبة . وما يرى من الغول والجنّ والشّياطين ، فقد يكون من أسباب تخيّليّة . وكونها كذلك لا ينافي وجودها الخارجىّ ، على ما سبق بيانه ، لأن الخيال يظهرها . وإن لم تكن منطبعة فيه ، كما في المرآة ، تظهر صورها من غير أن تكون منطبعة فيها .
ولو انطبعت للزم انطباع العظيم في الصّغير ، ولمّا كان تختلف رؤية الشّىء فيها بتبدّل موضع الرّائى منها ، مع كون المرآة والشّىء بحالهما .
فقد تلخّص من هذا البحث : أنّ نقوش الكائنات الّتى اطّلعت النّفس عليها إن
شرح حكمة الاشراق — صفحة 504
مساهمون: محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
ص٥٠٤