أحدها : أن المحكوك والمخضخض قد يحمى من غير وصول أجزاء نارية غريبة إليه .
وثانيها : لو كان كذلك لكان الإباء الذي فيه يسخن الماء ، كلما كان أشد استحصافا كان تسخن الماء أقل ، لكنه بالضد منه .
وثالثها : إن القماقم الصياحة إذا انبسقت خرجت منها نار كثيرة .
ورابعها : إن ما بال الجمد يبرد ما فوقه مع أن النار من أجزائه لا تصعد لثقله .
الثاني : قالوا : لم لا يجوز أن يقال : كانت الأجزاء النارية كامنة في الماء ، فبرزت عند تسخنه ؟ ثم إنه أبطل ذلك بأنه إن من المحال أن يقال :
جميع الشعل المنفصلة عند احتراق الحطب وجميع النارية السارية في الجمرة الباقية منه ، كان موجودا قبل الاحتراق ، مع إنه لا يبرزه رض ولا سحق ولا يلحقه لمس ولا نظر .
وههنا احتمال ثالث لابد من دفعه ليتم ذلك البرهان : وهو أن يقال :
لم لا يجوز أن يقال : انقلب بعض أجزاء الماء نارا واختلطت تلك الأجزاء بالأجزاء المائية ، فلا جرم صار سخينا ؟ وهذا القائل سلم الكون ومنع من الاستحالة ، ولم يسلم أنه حاصل في كل الماء بعض السخونة ، بل قال حصل في بعض الماء كل السخنة . الجواب : إنه لو كان كذلك لكان الجانب الذي ينقلب الماء فيه نارا يكون في غاية السخونة ، والجانب الآخر بخلافه لكنا لا نجد الأمر كذلك ، فإنا نجد كل الماء يحصل فيه بعض السخونة أولا فأولا ، ولا نجد بعض جوانب الماء تحصل فيه كل السحونة دفعة .
فيثبت بما ذكرنا : أن الماء يقبل الاستحالة في التبرد .
لباب الاشارات والتنبيهات — صفحة 114
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١١٤