رسالة الكندي في الفاعل الحق الأول التام والفاعل الناقص الذي هو بالمجاز
مقدمة
هذه الرسالة - على قصرها - تحوى فكرة مميزة وجوهرية في فلسفة الكندي ، ذلك أنما نجد فيها فصلا أساسيا بين نوعين من الفاعل وبالتالي بين نوعين من الفعل .
فثمّ فاعل على الحقيقة ، فعله إيجاد الأشياء بعد أن لم تكن ، دون أن يتأثر هو بذلك ؛ وهو فاعل حق واحد لا فاعل بالمعنى الحق غيره ، وهو اللّه ، وفعله هو الإبداع .
وثمّ فاعل ، هو مبدع مخلوق ، فعله التأثير في غيره ؛ ولما كان هو منفعلا عن الفاعل الحق ، فلا جرم أن يسمى : فاعلا ، على سبيل المجاز - وهذا شأن جميع المخلوقات .
وإذا كان مبدع الأشياء كلها غير منفعل ، فإن الأشياء كلها بعد ذلك منفعلة ، أوّلها منفعل مباشرة عن الفاعل ، وباقيها منفعل بعضها عن بعض ، على تفاوت في قرب بعضها أو بعده من الفاعل الأول ، في ميدان الفعل والانفعال .
ولما كانت كلها مستندة في وجودها إلى المبدع الأول ، فهو علة انفعالها الأولى ، وهو العلة المباشرة أو غير المباشرة لكل ما يقع في الكون .
ولما كان الكندي يقول بالإبداع ويفعل المبدع في كل شئ ، فإنه بهذا يخالف أرسطو وينحاز إلى الأديان المنزلة وما فيها من عقيدة خلق العالم لا من