Skip to main content

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — Page 170

Contributors:

P.170
حققناه وفي كثير منها مفتقرة إليه على تفاوت لها في الافتقار فليس افتقارها إلى المادة في اللمس والذوق كافتقارها إليها في السمع والبصر فالأولان قوتان ساريتان في تمام أجزاء العضو والأخيران قوتان قائمتان ببعض العضو والشم متوسط بين الأربعة فالحاصل أن النفس لا يحدث بوجود مادة بدنية يكون حاملا لإمكان وجود ما لا ينفك وجوده عن القوة الناطقة من آلاتها الطبيعية وآثارها البدنية اعلم أن في هذا الموضع إشكالا ذكره بعض المحققين في رسالة له إلى بعض معاصريه واستصعب حلها حيث قال ما بال القائلين بأن ما لا حامل لإمكان وجوده وعدمه فإنه لا يمكن أن يوجد بعد العدم أو يعدم بعد الوجود حكموا بحدوث النفس الإنسانية وينفوا عن تجويز فنائها فإن جعلوا حامل إمكان وجودها البدن فهلا جعلوه حامل إمكان عدمها أيضا وإن جعلوها لأجل تجردها عن ما تحل فيه عادم حامل لإمكان عدمها كيلا يجوز عدمها بعد الوجود فهلا جعلوها لأجل ذلك بعينه عادم حامل لإمكان الوجود فيمتنع حدوثها في الأصل وكيف ساغ أن يجعلوا جسما ماديا حامل إمكان جوهر يباين الذات إياه فإن جعلوها من حيث كونها مبدأ لصورة نوعية لذلك الجسم ذات حامل لإمكان الوجود فهلا جعلوها من ذلك الحيثية بعينها ذات حامل لإمكان العدم وبالجملة ما الفرق بين الأمرين مع تساوي النسبتين انتهى ولم ندر هل أتى معاصره بجواب أم لا أقول أما الجواب على طريقة القوم فهو أن البدن الإنساني استعد بمزاج الخاص أن يفاض عليه من واهب الصور صورة مدبرة متصرفة فيه تصرفا بها يحفظ شخصه ونوعه فوجب صدورها عن الواهب الفياض لكن وجود صورة يكون مصدرا لهذه التدابير الإنسية والأفاعيل البشرية الحافظة لهذا النوع الذي لا يمكن بقاؤه إلا بالتمدن والتعاون ممتنع الحصول إلا بأن يقترنها قوة عقلية ذات تدبير وفكر فلا محالة يجب أن يفيض من المبدإ الفياض ولو على التبعية إذ لا بخل ولا منع ولا تقصير كيف وقد حصل الرجحان والأولوية فإذن وجود البدن بمزاجه واستعداده استدعى صورة مقارنة متصرفة فيه ولكن جود المبدإ اقتضى ذاتا عقلية مفارقة أو ذات مبدأ مفارق وكما أن الشيء الواحد يجوز أن يكون مجعولا غير مجعول من جهة أخرى كالوجود والماهية المتحدة به ويجوز أن يكون جوهرا وغير جوهر كأفراد نوع جوهري بسيط من حيث جنسها وفصلها فليجز أن يكون ذات واحدة كالنفس مجردة من جهة مادية من جهة فإذا كانت النفس مجردة من حيث الذات ومادية من حيث القوى العلمية والأفعال فهي من إحدى الحيثيتين مسبوقة باستعداد البدن حادثة بحدوثه زائلة بزواله وأما من حيث حقيقتها الأصلية أو مبدأ حقيقتها فغير مسبوقة باستعداد البدن ولا فاسدة بفساده ولا يلحقها شيء من عوارض الماديات ومثالبها إلا بالعرض فتدبر هذا ما سنح لنا في سالف الزمان على طريقة أهله وأما الذي رأيناه واخترناه بعد ذلك الزمان في تحقيق المقال ورفع الإشكال هو أن للنفس الإنسانية مقامات ونشآت جوهرية بعضها من عالم الأمر والتدبير وبعضها من عالم التخيل والتقدير وبعضها من عالم الخلق والتصوير فالحدوث والتجدد إنما يطرءان لبعض نشآتها السافلة دون العالية فإنها منذ أول تكونها الصوري في الترقي والاشتداد في الوجود وليس حال النفس في أول حدوثها كحالها عند الاستكمال ومصيرها إلى المبدإ الفعال فهي بالحقيقة جسمانية الحدوث روحانية البقاء ومثالها كانا وفعلا كمثال الطفل وحاجته إلى الرحم والأم أولا واستغنائه عنهما أخيرا كمثال الصيد والحاجة في اصطياده إلى الشبكة أولا والاستغناء في بقائه أخيرا فلا ينافي بقاء النفس فساد البدن المحتاجة إليه أولا ولا ينافي أيضا بقاء فعلها الخاص وهو اقتناصها للعقليات والنظريات تعطل شبكة القوى والحواس

[ في بيان إثبات الصورة النوعية ]

قوله وكل جسم فإنه إذا صدر عنه فعل إلى آخره يريد إثبات القوى المباشرة للأفعال والحركات في الأجسام كلها اعلم أن الفعل أو الحركة إما أن يصدر عن الجسم بالذات أو بالعرض والمراد بالفعل الصادر عن شيء بالعرض أن يكون المصدر لذلك بالحقيقة قوة في شيء آخر يجاوره هذا الشيء أو يرتبط به مجاورة أو ارتباطا يستلزم أن يتحرك بحركته ويسكن بسكونه كجالس السفينة ونحوه والذي يصدر عنه الفعل بالذات إما أن يكون صدوره عنه بالقسر أم لا والمراد بالقسر أن يتغير طبيعة الجسم بأمر مباين له غريب عن ذاته وعما يقوم به ذاته كالحجر المرمي إلى فوق بقوة الرامي وفعله المعد إياه للحركة والذي يصدر بالذات من غير قسر لا يخلو إما أن يكون صدوره عنه بإرادة أم لا والفاعل في الأول نفس وفي الآخر طبع إذا تقرر هذا فنقول كل جسم صدر عنه فعل لا يكون بالعرض ولا بالقسر فهو إما بالإرادة والاختيار أو لا بالإرادة والاختيار وعلى أي الوجهين لا بد أن يكون بقوة فيه زائدة على ذلك الجسم بما هو جسم أما على الأول فذلك بين لا يحتاج إلى البيان إذ لا خفاء أن في الأجسام الحيوانية شيء غير الجسمية يصدر عنه أفعالها وحركاتها الإرادية كيف وقد يكون أفعالها خلاف ما يقتضيها طبيعة جسمها الذي هي فيه كالحركة إلى فوق وأما على الثاني فلأن الفعل الذي صدر من الجسم لا بالإرادة إما أن يكون فاعله نفس ذلك الجسم بما هو جسم أو أمر مقارن له أو أمر مباين له والمتباين إما أمر جسماني أو أمر مفارق عن الأجسام فهذه أربعة أقسام أما الأول ففاسد لأن هذا الجسم يشارك الأجسام في كونه جسما ويخالفها في هذا الفعل فلا بد أن يكون صدوره لأمر زائد على الجسمية وهو المراد بالقوة وصدوره عن قوة والمفروض خلافه هذا خلف وأما الثالث فهو أيضا خلاف ما فرضناه
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — Page 170 | صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )