Skip to main content

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — Page 149

Contributors:

P.149
وله اعتباران بأحد الاعتبارين عالمية العالم وباعتبار آخر معلومية المعلوم ولا يبعد أن يكون منشأ غلطهم أشياء أربعة أحدها ما اشتهر من أن الإضافة إنما يكون بين شيئين وثانيهما ما اشتبه عليهم الأمر في مثل العلم والقدرة والإرادة وغيرها فزعموا أن الإضافة فيها هي بعينها الكيفية الحاصلة فالهيئة العلمية مثلا هي بعينها عالمية أحد الطرفين ومعلومية الطرف الآخر وكذا القدرة شيء واحد وهي بعينها قادرية لأحدهما ومقدورية للآخر والإرادة مريدية لأحدهما ومرادية للآخر وعلى هذا القياس في غيرها وثالثها أنه اشتبه عليهم الحال في مماثلة الطرفين من الإضافة فخلطوا الواحد بالمعنى الواحد العددي ورابعها أنهم لم يجدوا الفرق بين ما يوجد للشيء وبين ما يوجد مقيسا إلى الشيء وهذا الرأي باطل فإن الغرض الواحد يمتنع حصوله لموضوعين بل لكل من الطرفين صفة خاصة في الإضافة غير ما للطرف الآخر بالعدد سواء كانتا متحدين نوعا كالأخوة والمجاورة والمماسة والقرب وغير ذلك أو لا فلكل منهما معنى في نفسه مقيس إلى الآخر مغاير بالعدد للمعنى الذي للآخر مقيسا إليه وقد يكونان مغايرين عددا ونوعا أيضا كما في مختلفة الطرفين كالأبوة والنبوة فإنهما صفتان مختلفتان نوعا كل منهما صفة لشيء بالقياس إلى موضوع الآخر فإن للأب صفة الأبوة بالقياس إلى الابن وللابن صفة النبوة بالقياس إلى الأب وليس يلزم من كون الأبوة بالقياس إلى الابن أن يكون صفة للابن كيف ولو كانت صفة له لكان الاسم المشتق منها مقولا عليه إذ الصفة للشيء ما من شأنها أن يقال عليه فلو كانت الأبوة صفة للابن لكان يقال الأب للابن وليس كذلك وليست هناك حالة أخرى موضوعة للأبوة والنبوة غير الأب والابن يستحق اسما آخر وإلا لكان معلوما عند التفتيش ولو كانت لكانت صفة أخرى غير الإضافة مختصة بأحد الطرفين لا أمرا مشتركا بينهما قال فإن كان ذلك كون كل واحد بحال بالقياس إلى الآخر فهذا ككون كل واحد من الققنس والثلج أبيض يعني لو قال قائل ثم إن ذلك الأمر الواحد المشترك بينهما كون كل منهما بحال يقاس إلى الآخر قلنا في جوابه إن هذا الكون ليس كونا واحدا فيهما جميعا بالعدد بل واحدا بالمعنى متعددا بالشخص وهو ككون واحد من الققنس والثلج أبيض وليس يجب من كون معنى واحد مشتركا بين شيئين أن يكون الذي منه في أحدهما هو الذي بعينه في الآخر كما توهمه جماعة في الكلي الطبيعي حيث زعموا أن إنسانية واحدة بعينها جزء زيد وعمرو وبكر وغيرهم موجودة فيهم جميعا وإذا مات أحدهم لم يفسد إنسانيته بل ربما انتقلت إلى غيره وكذا في سائر الكليات الطبيعية وهو باطل كما بين في موضعه وليس يجب أيضا من كون شيء بالقياس إلى الآخر أن يكون للآخر كما مر فالذي لهذا بالقياس إلى ذلك كان لهذا لا لذلك وكذا الذي لذاك بالقياس إلى هذا كان لذاك لا لهذا فهما اثنان متغايران لا محالة

[ في بيان أن ألاخوة صفة واحدة قائمة بالأخوين ]

قوله فإذا فهمت هذا فيما مثلناه لك إلى آخره يعني إذا فهمت بطلان قولهم في المضافات المختلفة الطرفين فلك أن تعرف الحال في غيرها من المضافات التي طرفاها متوافقان في صفة الإضافة كالأخوة والأخوة والقرب والقرب وأكثر إشكالهم نشأ منها فإنهم لما رأوا الحالتين من نوع واحد حسبوهما شخصا واحدا وليس كذلك ففي كل من الأخوين أخوة أخرى غير ما لصاحبه فإذا كان زيد وعمرو أخوين كان أخ عمرو منهما غير عمر بل زيد أو أخو زيد عمرو إلا زيدا وكذا الحال في المجاورة والمماسة وغيرهما وهذا أمر لا يخفى على ذي بصيرة فإن استحالة كون عرض واحد في محلين ليست بأخفى من استحالة كون جسم واحد في مكانين فلا يحتاج إلى الاعتذار منه بأن اسم العرض واقع على أفراده بالتشكيك ولكن مع قطع النظر عن ذلك عمل كان العرض مشككا بالشدة والضعف أم لا فالشيخ نسب القول في أن اسم العرض واقع على أقسامه بالتشكيك فيه إلى ضعف التميز قياسا على الجوهر لكن الثابت المنكشف عندنا أن وقوع العرض على بعض أفراده أقوى من بعض إذ العرضية ليست كالجوهرية من أحوال الماهية حتى لا يكون متفاوتا بالتشكيك بل هي من باب الوجود فإن العرض عبارة عن نفس الوجود في الموضوع لا عن ماهية وجودها فيه ولا شبهة في أن وجود بعض الأعراض أقوى وأقدم من بعض أما كون بعضها أقوى فإن الأعراض القارة سيما ما هو مثل الكيفيات المحسوسة كالحرارة والبرودة والطعم أقوى وجودا وأكثر آثارا من الأعراض الغير القارة كالفوقية والحركة وأشباهها وأما كون بعضها أقدم عن بعض فكالسطح والخط من النقطة وكالحدود من الأشكال قوله لكن الأشد اهتماما من هذا معرفتنا إلى آخره لما كانت الإضافة من الأشياء الضعيفة الوجود خفية الذات كالهيولى والعدد والزمان المتصل والحركة التي بمعنى القطع وإذا اشتد ضعف الوجود وخفاؤه في شيء يكاد أن يلحقها بالعدم أنكر أكثر الناس وجود الإضافات في الخارج فعلى الحكيم أن يهتم بالبحث عن وجودها والخوض في تحقيق أن الإضافة هل هي نفسها من الأمور الموجودة في الأعيان أو من الأمور المتصورة التي ظرف تحققها وصدقها إنما هو الذهن فقط ككثير من الصفات والأحوال التي لا يعرض الأشياء إلا بعد أن يصير معقولة في الذهن ويكون القضايا المعقودة بها ذهنيات طبيعيات ليست بخارجيات محصورة كانت أو مهملة أو شخصية وهي كالكلية والذاتية والعرضية والجنسية والفصلية والنوعية والمحمولية والموضوعية وما يجري هذا المجرى من كون المعقول قضيته أو عكسها أو كونه صغرى أو كبرى أو قياسا أو برهانا أو خطابة أو مغالطة أو جدلا أو غيرها فإن الموجود في الخارج لا يتصف بكونه كليا أو ذاتيا أو نوعا ولا الحيوان بكونه جنسا ولا الماشي بكونه عرضا عاما أو خاصة فقوم ذهبوا إلى أن وجود الإضافات إنما يحدث في الذهن عند تعقل الأشياء كالحال في المعقولات الذهنية التي يقال لها المعقولات