وقد حاذى في ذلك كلام الشيخ الفاضل أبي نصر الفارابي فإنه قال في مختصر له - يعرف بعيون المسائل بهذه العبارة - والجسم الشديد الحرارة بطبعه هو النار - والشديد البرودة بطبعه هو الماء - والجاري هو الهواء والشديد الانعقاد هو الأرض - فنقول في تقريره قد ظهر مما مر - أن كل واحد من هذه الأجسام - لا يخلو عن كيفيتين إحداهما فعلية - والأخرى انفعالية - وبيان الحصر بانتساب الكيفيات الأربع إليها - بحسب الازدواجات الممكنة مشهور - لكن لما كان إثبات بعض تلك الكيفيات - لبعض هذه الأجسام صعبا كالحرارة للهواء - واليبوسة للنار على ما صرح به الشيخ في الشفاء وكان المؤثر عنده في هذا الموضع - بناء الكلام على المشاهدة - والأحكام التي لا تدفع إلا على التعمق في البحث - اقتصر على الاستدلال بما لا شبهة فيه - من هذه الكيفيات - وإذا وجد الفعليتين في الجسمين - اللذين هما أشد تعاديا من الجميع - أعني النار والماء أظهر - والانفعاليتين في الباقيتين أظهر - ميز بينها بإسناد كل واحدة من هذه إليها وبدأ بالنار فنبه - بقوله البالغ في الحرارة على كون الحرارة - كيفية تشتد وتضعف - لا صورة تقوم بجوهرها الذي لا يختلف - وأشار بقوله بطبعه إلى مصدر تلك الحرارة - أعني الصورة النوعية - وأورد القضية في صيغة تدل على مساواة طرفيها - ليعلم أن هذا القول مميز للنار عما سواها - ومعرف لماهيتها - وكذلك في الثلاثة الأخرى - وإنما عبر عن الرطوبة واليبوسة بالميعان والجمود - لوقوع التنازع في مفهوم الأوليين دون الأخريين - مع أن المراد عنده واحد - قال الفاضل الشارح وإنما قال بطبعه في النار والماء لا في الهواء والأرض - لأن من الناس من ذهب - إلى أن صورة النار والماء هي الحرارة والبرودة - ولم يذهب ذاهب إلى أن صورة الهواء والأرض - هي الرطوبة واليبوسة - فأزال ذلك الاشتباه به - ولم يحتج إليه هاهنا - قال وإنما اختار هذا الترتيب - لأنه أراد تقديم الكيفيتين الفعليتين على الانفعاليتين - وتقديم الأشرف من كل جنس على الأخص أولى - قال وهذه الأحكام ليست مما لا اختلاف فيه - فإن بعض المتقدمين ذهبوا إلى أن النار البسيطة في حيزها - لا تكون في غاية الحرارة - ورد عليهم الشيخ بأن وجود القوة
شرح الاشارات والتنبيهات مع المحاكمات ( وشرح الشرح قطب الدين الرازي ) — صفحة 252
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٢٥٢