هذه الروح الملكية تحنو على الشخص الذي ينسب إليها وتشفق عليه مثل حنو الوالد وشفقته على ولده بل شفقة الوالد من تلك الشفقة فلا يستبعد القول الذي يعز شاهده ويتعذر عليك معرفة حقيقته فإلى مثل هذا تنسب الأحلام وما يراه الانسان في المنام من مخبر ومذكر ومبشر ومحذر ومعلم ومعرف فإن كان الذي قال بالعقل الفعال عنى هذا فقد وافق المفال المقال الا انه تخالف من جهة الواحد والكثير وما يخص شخصا شخصا من العناية والتدبير المختلف المتباين في الأوقات والأحوال واعلم فيما تعلم أن لكل علم نحو تعليم يخصه فعلم يتصور ويتدبر مثل علم الحساب وعلم يتحفظ ويروى كعلم اللغة والاخبار وعلم يتصور ويتدبر ويحفظ ويعتقد بدليل وبرهان يستعرضه العقل من طريق الحس بالتمثيل والتشكيل كعلم الهندسة وما معه وعلم يستخرج بنظر في نظر وعلم من علم في كيفية التعليم والعلم كالذي قصد في علم المنطق وعلم يحصل من جهة الحس والمحسوس بالفكر والقياس والحجة والبرهان بما يرجع إلى الحواس كعلم الطبيعيات وعلم يحصل من ذلك العلم وليس هو هو اعني علم من علم المحسوسات وليس هو علم المحسوسات فشاهد الحس بعيد عنه وانما يتجرد له العقل بذاته ويراه بنظره في مرآته وهو ما انتهى بنا النظر اليه الآن وبدأنا به فمن سلك في علم مسلكه في علم آخر ضل فيه وأخطأ الصواب في فوائده ومعانيه سواء كان من جلى في خفى أو خفى في جلى . فان طلبت الآن فيما نحن بصدده شواهد من الحس والمحسوس كما طلبت فيما سلف لم تجد ولم تصب وان استغنيت بالأمثال والاشكال نكبت عن سبيل الحق فيه إلى جور وضلال وانما هو مما لا سبيل اليه ولا دليل عليه الا من جهة النفس بذاتها دون الحواس وآلاتها اما بطريق المشاهدة وهي كرامات وفتوح وارزاق تساق إلى مسترزق وغير مسترزق وينفرد بها الواصل المرزوق عمن لم يصل ولا يقدر على ايصاله إلى ما وصل اليه كما يقدر على ذلك في علم الاستدلال .
واما بطريق الاستدلال النظري والنظر البرهاني ويحتاج فيه هاهنا إلى فطام النفس في انظارها عن شواهد المحسوسات وآثارها فأول هذه الافكار والعلوم
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 392
مساهمون: ابو البركات
ص٣٩٢