تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
بين بعض كالزبد نرى لما يختلط منهما لونا ابيض وليس هو لأحدهما فان الهواء لا لون له والبياض فما هو لون الماء ولا مازجهما في خلطنا لهما ثالثا فننسب اللون الأبيض اليه ونعلم أن الألوان كلها لا تتم لأبصارنا إلا بنور يقع عليها كنور الشمس وغيرها وان ابصارنا إذا أدركت جملة مؤلفة من آحاد حدها في الصغر بحيث لا تقدر على ادراك الواحد منها بانفراده وكان لتلك الآحاد ألوان مختلفة كالبرادة الناعمة المخلوطة من الذهب والفضة فانا نرى لجملتها لونا واحدا غير لون كل واحد من لونيهما فنعلم ان ذلك اللون لا وجود له في الملون المنظور لكن البصر غلط فيه فتخيله لونا واحدا متوسطا وهو كثير مختلف وإذا تأمل آحاد حباب الزبد كلا على انفراده رآه شفافا كالماء والهواء من وراء الماء الرقيق الذي فيه وما لا يتأمله جيدا يراه ابيض اما لأنه رآه عن بعد لا يمكن فيه تأمله واما لصغر الحباب الذي لا يصح معه تأمله وكذلك نرى اختلاف الأنوار والأضواء بحيث يكون لكل نور بحسب كثرته وقلته وشدته وضعفه مرأى ولكل ملون بحسب النور الساطع عليه أيضا مرأى فإذا جمعنا محصول البصر من ذلك علمنا أن اللون المرئى على الحقيقة هو النور وغيره من الألوان هو حاله بحسب ما فيه يرى فلذلك نرى من الملونات ما يختلف مرآه بحسب موقع البصر والنور منه كريش الطاوس فإنه يرى اخضر واحمر واصفر وذهبيا وازرق في لمحة واحدة أو في لمحات متقاربة بحسب اختلاف حالة البصر والمبصر والنور والمنير كل واحد منها من الآخر فنعلم بذلك وأمثاله ان البياض الذي عرض للماء المزبد انما هو عارض للبصر حيث انعكس عن خلط الماء والهواء في الأجزاء الصغار التي يختلف مرآها ويختلط المختلف منها اختلاطا لا يتميز فينعكس البصر عنه فيصير نوره لونا لان اللون المبصر هو وقوف البصر عند نور على سطح مرأى بحالة ما لا يتعداه البصر إلى ما وراءه نافذا فيه وما لا ينعكس البصر عنه بل ينفذ فيه كالشفاف فلا لون له وكذلك يرى الزجاج الشفاف الذي في غاية الصفاء بل والأحمر والأخضر أيضا إذا سحق ناعما عاد سحيقه ابيض قال قوم ان ذلك