الخير فالأحرى به أن يوجد إذا كان الأغلب فيه أنّه خير .
فإن قيل : فلم لم تمتنع الشرّية أصلا حتّى كان يكون كلّه خيرا ؟
فيقال : حينئذ لم تكن هي هي ؛ إذ قلنا : إنّ وجودها الوجود الذي يستحيل أن يكون بحيث لا يعرض عنها شرّ ؛ فإذا صيرت بحيث لا يعرض عنها شرّ فلا يكون وجودها الوجود الذي لها ، بل يكون وجود أشياء أخرى وجدت وهي غيرها وهي حاصلة ؛ أعني ما خلق بحيث لا يلزمه شرّ لزوما أوّليا ؛ ومثال هذا انّ النار إذا كان وجودها أن تكون محرقة وكان وجود المحرق هو انّه إذا مسّ ثوب الفقير أحرقه و « 1 » كان وجود ثوب الفقير انّه قابل للاحتراق وكان وجود كلّ واحد منهما « 2 » أن تعرض « 3 » له حركات شتّى « 4 » وكان وجود الحركات الشتّى في الأشياء على هذه الصفة وجود ما يعرض له الالتقاء ، وكان وجود الالتقاء بين « 5 » الفاعل والمنفعل بالطبع وجودا يلزمه الفعل والانفعال . فإن لم تكن الثواني لم تكن الأوائل . » « 6 »
وإذا تقرّر هذا فنقول : إنّ النظام الجملي هو الكامل الذي لا نقصان ولا شرّية فيه أصلا ؛ وأمّا خصوصيات ذلك النظام فمن المستبين كونها الأصلح الأليق ؛ وأمّا اشتمال خصوصية بعض من تلك الخصوصيات على شرّ لا ينافي أصلحيته ؛ لغلبة الخيرية فيه على شرّيته .
على أنّ الحقّ انّ تلك الشرّية من عوارضها لا من الأمور المضمّنة فيها .
فإن قلت : إنّ تلك الشرّية المغلوبة بخصوصها معلومة له بالذات مع عدم كونها مرادة له كذلك ؛ فلا يكون علمه هو إرادته سبحانه .
قلت : إنّك قد علمت ما حقيقة الشرّ فاحكم بأنّه لانتفائه ونقصان ذاته لا يصلح أن يتعلّق به العلم بالذات ؛ فيكونان سيّان كما لا يخفى على أهل العرفان .
هامش
( 1 ) . ح : أو .
( 2 ) . ح : منها .
( 3 ) . الشفاء : يعرض .
( 4 ) . الشفاء : شيء .
( 5 ) . ح : من .
( 6 ) . الشفاء ( الإلهيات ، المقالة التاسعة ، الفصل السادس ) صص 421 - 422 .