- العزيز - : « بان من الأشياء بالقهر لها والغلبة « 1 » عليها وبانت الأشياء منه بالخضوع له والرجوع إليه » « 2 » الحديث .
وإذا تقرّر هذا فنقول : إنّه لتقدّسه الربوبي ووحدته القيّومي يكون هو الباطن والمختفي عن جميع ما عداه مع الظهور بوجوده والسطوع بنور جوده عن الآفاق والأنفس على ما إليه الإشارة الإلهية بقوله - الكريم - :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
« 3 » وقد أخبر عن هذا المقام بعض الأعلام بقوله : « ما رأينا شيئا إلّا ورأينا اللّه بعده . »
وبالجملة : انّ وجوده - تعالى - من المستبينات عند كلّ من راجع الوجدان . فلذا قد روى : « أنّ زنديقا قد دخل صادق آل محمّد عليه السّلام فسأله عن دليل إثبات الصانع ، فأعرض عليه السّلام ثمّ التفت إليه وسأله : من أين أقبلت وما قصّتك ؟
فقال الزنديق : إنّي كنت مسافرا في البحر فعصفت علينا الريح وتقلّبت « 4 » بنا الأمواج فانكسرت سفينتنا ؛ فتعلّقت بساحة منها ولم يزل الموج يقلّبها حتّى قذفت لي إلى الساحل فنجوت عليها .
فقال عليه السّلام : أرأيت الذي كان قلبك - إذا انكسرت السفينة وتلاطمت عليكم الأمواج - فزعا عليه ، مخلصا له في التضرّع ، طالبا منه النجاة ؟ فهو إلهك .
فاعترف الزنديق بذلك وحسن اعتقاده ؛ « 5 » وذلك من قوله - تعالى - :
إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ
« 6 » الآية .
فقد ظهر أنّ ما هو الباطن عن أبصار قلوب العرفاء باطن على الإطلاق ، وما هو الظاهر فهو الظاهر بالاستحقاق ؛ وأمّا ما سواه من الممكنات فإنّ صحّ خفاء بعضها عن بعض وظهوره لبعض فلا يكون مختفيا مطلقا لظهوره عند غيره بل عند خالقه وحضوره عند
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة : القدرة .
( 2 ) . نهج البلاغة ، خطبة 152 .
( 3 ) . فصّلت / 53 .
( 4 ) . ق وح : تقبلت .
( 5 ) . توجد هذه الرواية بألفاظ مختلفة في المصادر الروائية ؛ فانظر : بحار الأنوار ، ج 89 ، ص 240 ، 232 و . . .
( 6 ) الإسراء / 67 .