ولقائل أن يقول : مسلم أنه لم يوجد قبل حدوث صورة الجسمية وضع وموضع يقتضى تعين الوضع والموضع بعد حدوثها ، لكن لا يلزم من عدم نوع واحد من الأسباب عدم المسبب . فلم لا يجوز أن يقال :
كانت المادة موصوفة بأعراض مخصوصة سوى الوضع والموضع ، وكانت تلك الأعراض توجب الحصول في الحيز المعين ، بشرط حدوث الجسمية ؟
وما لم تبطلوا هذا الاحتمال لم يتم دليلكم .
* * * قال الشيخ : « ولو كان الهيولى يقتضى وجودا عاريا عن الوضع على نحو المعقولات ، والصورة أيضا غير ذات وضع لنفسها ، لأنها معقولة من حيث هي صورة ، لكان المؤلف من معينين معقولين وكل جملة ، معقولين فهو معقول غير ذي وضع . فإذا المادة الجسمانية يتعلق وجودها بسبب يجعلها ذا وضع دائما ، فلا تتعرى عن الصور الجسمانية » التفسير : هذه هي الحجة الثانية على أن الهيولى لا تعرى عن الصورة الجسمية . واعلم : أن هذا الكلام في غاية الخبط والاضطراب . وبيانه من وجوه :
الأول : أنه قال : ولو كان الهيولى يقتضى وجودا عاريا عن الوضع ، لكان كذا وكذا . فيكون هذا الكلام ابطالا لقول من يقول : ان الهيولى تقتضى العراء عن الجسمية . وهذا لا يقوله عاقل ، بل الذي يقوله الخصم :
هو أن الهيولى لا تقتضى حصول الجسمية . ففرق بين أن يقال : الهيولى تقتضى اللاجسمية ، وبين أن يقال : الهيولى لا تقتضى الجسمية كما أنه فرق بين أن يقال : هذه الماهية تقتضى اللاوجود ، وبين أن يقال :
انها لا تقتضى الوجود . فان الأول ممتنع ، والثاني ممكن . فكذا هنا ان أحدا لا يقول : أن الهيولى تقتضى كونها عارية عن الصورة ، بل يقولون :
انها لا تقتضى حصول الصورة .
الثاني : وهو أنه جعل الصورة الجسمية الحادثة في المادة غير ذات وضع . وهذا أيضا فاسد . لأن الجسمية عبارة عن الحجمية والامتداد في الجهات . فأي عاقل يقول : ان هذا المعنى شئ مجرد عن الوضع ؟
شرح عيون الحكمة — صفحة 30
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٣٠