وأما الثاني : فهو مذهب « الشيخ » ومذهب أكثر من قبله من الفلاسفة ، فإنهم زعموا : أن هذا الشئ الممتد في الجهات الحاصل في الحيز هو الحجمية . ومحل هذه الحجمية هو الهيولى . ومجموعهما : هو الجسم .
فهذا تلخيص محل النزاع .
واعلم : أن حجة « الشيخ » في هذه المسألة مبنية على نفس الجوهر الفرد وعلى « 1 » أن الجسم المتصل شئ واحد في نفسه ، كما أنه عند الحس واحد . وإذا عرفت هذا فلنذكر هذه الحجة التي ذكرها . وتقرير الكلام : أن فقول : ثبت أن الجسم البسيط في نفسه شئ واحد . وذلك هو المراد من كونه متصلا . ولا شك أيضا في أنه قابل للانفصال . فيقول قائل : هذا الانفصال اما أن يكون هو الاتصال أو غيره . والأول باطل لأن القابل يجب أن يبقى مع المقبول . والاتصال لا يبقى مع الانفصال ، فامتنع أن يكون القابل للانفصال هو الاتصال . فلا بد من الاعتراف بوجود شئ سوى الاتصال ، يكون قابلا لهذا الانفصال الطارئ وكذلك الاتصال الزائل .
وحينئذ يظهر أن الجسم مركب من الاتصال ومن شئ آخر يقبل ذلك الاتصال . وذلك هو المطلوب .
ولقائل أن يقول : هذا بناء على أن الجسم البسيط متصل في نفسه ، وهو بناء على نفى الجوهر الفرد . والكلام فيه قد تقدم . ثم إن سلمنا ذلك .
لكنا نقول : ولم لا يجوز أن يقال : الجسم قبل الانفصال كان موصوفا بالوحدة ، وعند الانفصال زالت الوحدة وتبدلت بالاثنينية فالزائل هو الوحدة والطارئ هو التعدد . وهما عرضان متعاقبان على الجسم .
وهذا لا يقتضى كون الجسم مركبا في ذاته من قابل ومقبول . والذي يؤكد هذا السؤال : أن الجسم عند ورود الانفصال عليه ، ما بطل اتصاله .
لأن كل واحد من الحيزين بقي متصلا كما كان ، انما الزائل هو الوحدة فقط .
وذلك تقدير ما قلناه .
هامش
( 1 ) على : ص .