هو الحكمة النظرية . ومثاله : علمنا بأن العالم محدث ، وأن العالم له صانع ، وأن الصانع قديم قادر عالم ، وأن السماء كرة وأن النفس باقية .
والثاني : هو الحكمة العملية . ومثاله : العلم بأنه كيف يمكن اكتساب الملكات الفاضلة النفسانية وإزالة الملكات الخبيثة النفسانية ؟ وكيف يمكن ازالتها للمرض وتحصيلها للصحة . وكل واحد من هذين القسمين علم ، الا أن الأول علم بشيء لا تأثير لنا البتة فيه ، بل المقصود من معرفته : نفس تلك المعرفة فقط . والثاني علم بشيء يكون المطلوب من تحصيل العلم به ، ادخاله في الوجود أو منعه من الوجود . والأول هو الحكمة النظرية ، والثاني هو الحكمة العملية . مع أن كل واحد منهما في الحقيقة : علم .
واعلم : أن الحكمة النظرية أشرف من الحكمة العملية ، لأن كل ما يعلم ليعمل ، كان العلم فيه وسيلة ، والعمل مقصودا . والوسيلة في كل شيء أحسن من المقصود . فالعلم بالأعمال يكون أدون منزلة من المعارف الإلهية ، والجلايا القدسية . وذلك يدل على أن الحكمة العملية ، أدون منزلة من الحكمة النظرية بكثير . وأيضا : فاستكمال القوة النظرية أشرف من استكمال القوة العملية .
والكتاب الإلهي ناطق بحصر الكمالات الانسانية في هاتين المرتبتين .
قال اللّه تعالى حكاية عن الخليل : « رب هب لي حكما ، وألحقني بالصالحين » « 3 » فالمراد من الحكم : تكميل القوة النظرية . والمراد من قوله : « وألحقني بالصالحين » : تكميل القوة العملية . وقال خطايا لموسى :
« فاستمع لما يوحى : انني أنا اللّه . لا إله الا أنا فاعبدني » « 4 » فقوله : « لا إله الا أنا » إشارة إلى كمال القوة النظرية . وقوله :
« فاعبدني » إشارة إلى كمال القوة العملية . وقال حكاية عن عيسى أنه قال : « انى عبد اللّه آتاني الكتاب . وجعلني نبيا . وجعلني مباركا أينما كنت » « 5 » وكل ذلك إشارة إلى كمال القوة النظرية ثم قال « بالصلاة
هامش
( 3 ) الشعراء 83 .
( 4 ) طه 13 - 14 .
( 5 ) مريم 30 .