التفسير : ظاهر هذا الكلام مشعر بأن الحركة إذا أخذت بالقياس إلى المحرك ، فهي تحريك . وإذا أخذت بالقياس إلى المتحرك فهو التحرك .
وهذا الكلام باطل . و « الشيخ » نقل هذا المذهب في الفصل الأول من المقالة الثانية من السماع الطبيعي من كتاب « الشفاء » عن قوم ثم بالغ في ابطاله ، ولا أدرى كيف اختاره في هذا الكتاب ؟
قال في « الشفاء » : « ثم من المشهور أن الحركة والتحريك والتحرك شيء واحد ، فإذا أخذت الحركة باعتبار نفسها كانت حركة ، وإذا أخذت بالقياس إلى ما فيه سمى تحركا وإذا أخذت بالقياس إلى ما عنه سميت تحريكا » ثم إنه بالغ في ابطال هذا الكلام وأطنب .
وأنا أقول : الذي يدل على فساد هذا المذهب : أن التحريك عبارة عن كون الفاعل مؤثرا في وجود الحركة . ومؤثرية الشئ في وجود الحركة مغايرة لنفس الحركة . ويدل عليه وجوه :
الأول : ان مؤثرية الشيء في شيء آخر صفة لمؤثر ، وذلك الأثر قد يكون صفة للمؤثر .
الثاني : انه يصح أن نعقل ذات الأثر مع الشك في أن ذلك المؤثر هل أثر فيه أم لا ، والمعلوم غير المشكوك .
الثالث : ان مؤثرية الشيء في الشيء نسبة مخصوصة بين ذات المؤثر وذات الأثر . والنسبة بين الشيئين مغايرة لهما .
الرابع : ان المؤثرية في السواد ، والمؤثرية في البياض ، والمؤثرية في الجوهر : متساوية في كون الكل مؤثرية . وخصوص كون الأثر سوادا وبياضا وجوهرا ، غير مشترك فيه . فالمؤثرية مغايرة للأثر .
فثبت : أن الحركة غير التحريك . وبهذا الدليل عينه يظهر أن الحركة غير التحرك ، وهو قبول الحركة .
واعلم : ان هذه المسألة ضعيفة أيضا . وحاصلها يرجع إلى أن كون المؤثر مؤثرا في الأثر وكون القابل قابلا للأثر . هل هو نفس ذلك الأثر ؟ ولنا فيه أبحاث طويلة . والذي ذكرناه كاف في هذا المختصر .
شرح عيون الحكمة — صفحة 47
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٧