ذلك القوة النظرية من البشر بمعرفة القوانين العملية منهم ، وباستعمال تلك القوانين في الجزئيات » التفسير : لما بين أن العلوم العملية هي هذه الثلاثة ، شرع بعده في بحث آخر ، وهو أنه لا بد لكل صناعة من شئ يجرى مجرى المبدأ لها ، ومن شيء يجرى مجرى الكمال لها . فهذه العلوم الثلاثة أيضا لها مبدأ ، ولها أيضا كمال . ومبادئ هذه العلوم الثلاثة وكمالاتها : مستفادة من الشريعة الإلهية . وذلك لأن المقصود من بعثة الرسل إلى الخلق : ارشاد الخلق إلى النمط الصواب والطريق الأصلح في الأعمال والأفعال . ولما كانت مناهج الاعمال محصورة في هذه العلوم الثلاثة ، وجب أن يقال :
ان الأنبياء - صلوات اللّه عليهم - ما بعثوا الا لتعريف مبادئ هذه العلوم الثلاثة ، ولتعريف كمالاتها .
ثم إن الأنبياء - عليهم السلام - انما يمكنهم تعريف مبادئ هذه العلوم الثلاثة ، وتعريف كمالاتها على الوجه الكلى . مثل أن يذكروا : ان من أراد الفضيلة الفلانية ، فعليه بالعمل الفلاني ، ومن أراد دفع الرذيلة الفلانية ، فعليه بالعمل الفلاني . فأما التنصيص على أحوال « زيد » و « عمرو » فذلك ممتنع . لأن الأحوال الجزئية للاشخاص غير مضبوطة بل الواجب على الشارع ضبط تلك القوانين . وذلك انما يتأتى بالقوة النظرية . ثم استعمال تلك القوانين في الصور الشخصية والوقائع الجزئية .
فذلك انما يتأتى بالقوة العملية .
وأما قوله : « وكمالات حدودها انما تستبين بالشريعة الإلهية » فالمراد من هذه الحدود : المقادير . وذلك لأن المقادير المقدرة في أبواب العبادات والمعاملات والزواجر لا تعرف الا من جهة الشرائع الإلهية .
* * * قال الشيخ : « والحكمة المدنية فائدتها : تعلم كيفية المشاركة التي تقع فيما بين اشخاص الناس ، ليتعاونوا على مصالح الأبدان ، ومصالح بقاء نوع الانسان . والحكمة المنزلية ( فائدتها : أن تعلم
شرح عيون الحكمة — صفحة 14
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٤