وثالثها : ان ذات كل انسان هي نفسه الناطقة التي هي جوهر مجرد ، وعلم كل واحد بأنه هو ، علم بديهي . والجوهر مقول على ما تحته قول الجنس ، فتكون الجوهرية جزءا من ماهية النفس الناطقة . فلو كان العلم بالشيء مشروطا بالعلم بأجزاء قوامه ، لوجب أن يعلم كل واحد أن المشار اليه بقوله « أنا » جوهر قائم بالنفس . ولو كان الأمر كذلك لما جوز من العقلاء كون النفس كون نفس المزاج .
الجواب عن السؤال الأول :
امّا في باب الكلى والجزئي ذكرنا الفرق بين الكل وكل واحد واحد من أجزائه ، فنحن ندعى كون المجموع مفتقرا في تحققه إلى تحقق كل واحد من أفراده ، فلم يلزم افتقار الشيء إلى نفسه .
والجواب عن السؤال الثاني :
من وجهين :
الأول - وهو الذي ذكره « الشيخ » في أكثر كتبه - انا لا ندعى ان العلم بالماهية المركبة مشروط بتقدم العلم بأجزاء تلك الماهية على سبيل التفصيل ، بل ندعى أن تلك الأجزاء لا بد وأن تكون بحيث إذا خطرت بالبال ، فإنه يحكم العقل بكون الماهية مؤلفة منها .
وهذا الجواب عندي ليس كما ينبغي . وذلك لأنه اما أن نسلم أن العالم بالماهية المركبة يجب أن يكون عالما بأجزائها أو لا نسلم ذلك . فإن لم نسلم ذلك ، فقد بطل قوله : العلم بالماهية مسبوق بالعلم بأجزائها .
وسقط ذلك بالكلية . واما أن نسلم ذلك . فالعالم بأجزاء الماهية لا بد وأن يكون عالما بكل واحد واحد من تلك الأجزاء ويكون علمه بكل واحد منها غير علمه بالآخر ، ولا معنى للتفصيل التام الا ذلك . فكان قوله :
العلم بالماهية غير مشروط بالعلم بأجزائها على سبيل التفصيل يكون خطأ .
شرح عيون الحكمة — صفحة 62
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٦٢