وأما المشاجرية . فغايتها شكاية أو اعتذار عن ظلم أو عذر ، ويكون زمانها الماضي . واليه الإشارة بقوله : « والشكاية والاعتذار » وأما المنافرية . فغايتها مدح أو ذم وتكون تفصيلية أو تقليصية ، ويكون زمانها الحال الحاضر ، وعساه لا يختص بزمان دون زمان . واليه الإشارة بقول « الشيخ » : « والمدح والذم وتكبير الأمور وتصغيرها »
* * * ولنختم هذا الفصل بمسألة . وهي أن الناس اختلفوا في أن الخطابة أشرف أم الجدل ؟ والمختار : أن الخطابة أشرف . والدليل عليه :
أن الجدل ، لا يفيد الاقناع لا للخواص ولا للعوام . والخطابة تفيد الاقناع للعوام ، فيجب أن تكون الخطابة أشرف من الجدل .
أما أن الجدل لا يفيد الاقناع للخواص ، فظاهر . وأما أنه لا يفيد الاقناع للعوام . فيدل عليه أمور :
أحدها : أن الأقيسة الجدلية دقيقة لا تصل إليها أفهام العوام .
وثانيها : أن العامي إذا صار ملوما بقياس جدلى ، وعجز عن الجواب حمل ذلك على جهله بالجواب ، لا على قوة ذلك الكلام . ومع ذلك الاعتقاد لا يفيد القياس الجدلي اقناعا .
وثالثها : أن الجدلي جار مجرى الخصومة والقهر . وإذا اعتقد الانسان في غيره أنه يحاول قهره واظهاره عجزه ، فذلك مما يحمله على نقصه وعدم الانقياد اليه . وذلك يدل على أن القياس الجدلي لا يحمل السامع الا على المنازعة والمعاندة . فثبت : أن القياس الجدلي لا يفيد اليقين للخواص ولا الاقناع للعوام ، وانما الصناعة المفيدة للاقرار هي البرهان ، والخطابة .
أما البرهان . فيفيد اليقين للخواص .
وأما الخطابة . فتفيد الاقناع للعوام .
ولهذا قال تعالى : « أدع إلى سبيل ربك بالحكمة » أي البرهان
شرح عيون الحكمة — صفحة 252
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٥٢