وانما أوجبنا هذا الذي ذكرناه لوجوه :
الأول : ان القضية كلما كانت أشد كلية ، كانت أشد استعدادا لقبول النقض ، لأن كل ما يرد نقضا على الجزئي ، فهو لا محالة وارد على الكلى . وقد ترد نقوض كثيرة على الكلى لا يمكن ورودها على الجزئي .
مثاله : قول القائل : ان كان الضد موجودا في شئ ، فضده موجود في ضد ذلك المحل . فهذه مقدمة مشهورة . لكنه يسهل نقيضها ، فان البياض موجود في الجسم ، وضد البياض غير موجود في ضد الجسم .
وأما إذا جعلنا تلك المقدمة جزئية ، وقلنا : ان كان الاحسان إلى الأصدقاء حسنا ، كانت الإساءة إلى الأعداء حسنة . فذلك النقض المذكور لا يتوجه على هذه المقدمة ، لأن للقائل أن يقول : أنا ما ذكرت تلك الدعوى في جميع الأضداد ، حتى يتوجه على ذلك البعض ، وانما ذكرته في هذه الصورة على الخصوص ، فلا يتوجه النقض . فثبت : أن ذكر المقدمة الجزئية في القياسات الجدلية ، أقرب إلى الجزم .
الوجه الثاني في بيان أن المقدمة الجدلية كلما كانت أشد جزئية ، كانت أقرب إلى القبول : وذلك أن عند العوام ( أن ) الفهم بالمحسوسات أشد ، والمشاكلة بين الجزئيات وبين المحسوسات ، أشد من المشاكلة بين الكليات وبين المحسوسات . فلهذا السبب كان وقوف الطباع العامية على الجزئيات أكمل . وإذا كان حصول تصور الأمور الجزئية أسهل عليهم من تصور الأمور الكلية ، كان حصول التصديق بها أيضا أسهل .
فأما إذا صارت القضية كلية محضة ، صارت عقلية محضة ، فتعسر تلك التصورات عليهم ، فلا جرم يعسر التصديق بها عليهم .
والبحث السادس في هذه المشهورات : أن نقول : هذه المشهورات على أقسام : فمنها ما يكون السبب في شهرتها تعلق المصلحة العامة بها . كقولهم : العدل جميل والظلم قبيح ، ومنها ما يحمل عليها الحياء والخجل والرحمة والقسوة ، ومنها شدة المشابهة بينها وبين القضايا
شرح عيون الحكمة — صفحة 235
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٣٥