وهذان الشرطان كافيان في حصوله ، إذا قال المخبرون : نحن شاهدنا ذلك . فأما إن قالوا : نحن سمعنا أقواما آخرين أخبروا أنهم سمعوا أقواما آخرين أنهم أخبروا : انهم شاهدوا ذلك الأمر المحسوس .
وذلك مثل اخبار أهل عصرنا عن وجود موسى وعيسى ومحمد - عليهم السلام - فههنا لا بد من شرط ثالث وهو أن نعلم أنه ( هل ) كان حال كل واحد من طبقات المخبرين في الكثرة وامتناع الموافقة على الكذب ، مثل حال هؤلاء الحاضرين ؟
فهذا جملة الكلام في ضبط شرائط التواتر .
* * * ولقائل أن يقول : السؤال عليه من وجوه :
السؤال الأول : أن خبر التواتر يدل على أنه كان قد حصل الاحساس لبعض الناس بذلك الشئ المخبر عنه . فالاخبار يدل على وجود ذلك الاحساس ، وذلك الاحساس يدل على وجود المحسوس ، فالتواتر دليل الدليل . فكان جعل المتواترات قسما واقعا في مقابلة المحسوسات خطأ .
السؤال الثاني : انا بينا أن أن التواتر لا يفيد العلم بوجود المحسوسات . وأنت تعلم أن المحسوسات أشخاص فاسدة ، وتعلم أنه لا حد للكائنات الفاسدات ، ولا برهان عليها . فكان دخول المتواترات في صناعة الحد والبرهان قليل الفائدة .
السؤال الثالث : أنه لا نزاع في أنه لا يمتنع اقدام كل واحد من أهل التواتر على الكذب . ولا نزاع في أن أقدام بعضهم على الكذب لا يمنع من جواز اقدام غيره على الكذب . فإذا كان الجواز قائما في حق كل واحد واحد ، وثبت أن الاجتماع غير مانع من ذلك ، وجب أن يبقى ذلك الجواز حال الاجتماع ، كما كان حاصلا حال الانفراد . وذلك يفيد القطع بأنه لا يمتنع اقدام الكل على هذا الكذب . ومع هذا الجواز لا يبقى اليقين التام .
شرح عيون الحكمة — صفحة 209
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٠٩