النوع الثاني من القضايا المستفادة من مجموع العقل والحس :
الحدسيات :
* * * قال الشيخ : « ومثاله : ما نشاهد من اختلاف نور القمر بسبب قربه وبعده من الشمس . وذلك يفيد الحدس بأن ذلك النور مستفاد من الشمس » التفسير : هذا أيضا في غاية الضعف . وبيانه من وجوه :
الأول : ان حاصل هذا المعنى ليس الا الطرد والعكس . وقد عرفت أنه لا يفيد الظن ، فضلا عن اليقين .
الثاني : ان العلم بأنه لما اختلفت أشكال نور القمر بسبب القرب والبعد من الشمس ، وجب أن يكون نوره مستفادا من الشمس ، فإن كان غنيا عن البرهان كان ذلك من البديهيات ، فلا يمكن جعله قسما آخر .
وان كان محتاجا إلى البرهان . فكيف يمكن جعله من أوائل البرهان ؟
الثالث : قال « ابن الهيثم المصري » : « ان هذا القدر لا يدل البتة على أن نور القمر مستفاد من الشمس ، لاحتمال أن يكون أحد نصفى كرة القمر مضيئا بالطبع ، ونصفه الثاني يكون مظلما بالطبع . ثم إن كرة القمر تستدير على مركز نفسه حركة مشابهة لحركة فلكه . وعند الاجتماع يكون نصفه المظلم الينا بالتمام ، ونصفه المضيء إلى فوق بالتمام .
وبعد الاجتماع يصير جزء من نصفه المضيء ، مقابلا لنا ، بسبب استدارة تلك الكرة على مركز نفسها . وكلما ازداد بعده عن الشمس ، ازداد نصفه المضيء ظهورا لنا . فإذا صار مقابلا للشمس ، صار نصفه المضيء بتمامه ، مقابلا لنا . ومع قيام هذا الاحتمال ، لا يلزم من اختلاف نور القمر بالزيادة والنقصان - بحسب قوته وبعده من الشمس - أن يكون نوره مستفادا من الشمس » ثم قال : « الدليل المعتمد في هذا الباب : زوال النور عن وجه القمر عند الخسوف » وذلك طريق آخر سوى ذلك الطريق .
شرح عيون الحكمة — صفحة 206
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٠٦