قلنا : وجود النهار يستلزم كذا كذا . فالموضوع في هذه القضية : بعض ما كان محمولا في القضية الأولى . فلم يكن الأوسط متكررا ، بخلاف ما إذا ركبنا هذا القياس من المقدمتين الشرطيتين . فانا إذا قلنا :
كلما كانت الشمس طالعة ، فالنهار موجود . فالتالي في هذه القضية هو قولنا : النهار موجود . ثم إذا قلنا : كلما كان النهار موجودا ، كان كذا وكذا . فقد جعلنا تمام ما كان تاليا في الصغرى ، مقدما في اكبرى . فكان الأوسط هاهنا متكررا بتمامه مكررا . فظهر الفرق العقلي بين هذين النوعين من التأليف والتركيب .
فنقول : لنا في الجواب عن هذا السؤال مقامان :
المقام الأول : انا إذا قلنا في الصغرى : كلما كانت الشمس طالعة ، فالنهار موجود . فالتالي هنا هو قولك : فالنهار موجود . بدليل :
أنك لو حذفت هذه الفاء ، وقلت : كلما كانت الشمس طالعة ، النهار موجود ، لم يكن الكلام مؤتلفا ولا مفيدا فائدة منتظمة . فثبت : أن هذه الفاء جزء من التالي .
هذا بحسب اللفظ . وأما بحسب المعقول المحض ، فهو أن هذه القضايا الشرطية إنما يتألف القياس منها إذا كانت لزومية . وحينئذ يصير المعنى : كلما كانت الشمس طالعة ، فإنه يلزم ويتبعه كون النهار موجودا فهذا اللزوم جزء من التالي . فإذا قلت بعده : وكلما كان النهار موجودا ، فكذا وكذا . فتمام التالي في الصغرى ما صار مقدما في الكبرى .
فثبت : أن هاهنا الأوسط غير متكرر البتة .
المقام الثاني : هب أن قولنا : طلوع الشمس يستلزم وجود النهار ، ووجود النهار يستلزم صيرورة الأعشى مبصرا ، الا أنا بينا : أن عدم تكرر الأوسط لا يمنع من الانتاج ، بل بديهة العقل حاكمة بأن التركيب الذي ذكرناه ينتج : أن طلوع الشمس ، يستلزم كون الأعشى مبصرا .
وإذا كان المقصود من هذا القياس ، ليس الا هذا المعنى . وهذا المعنى حاصل في التركيب الحملى ، كان العدول عنه إلى العبارة الأخرى ، بحثا لفظيا عاريا عن الفائدة . فثبت بما ذكرنا : أن هذه القياسات
شرح عيون الحكمة — صفحة 186
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٨٦