المسألة التاسعة :
اعلم : أن الضرورة والامكان قد يراد بهما اعتبار حال الشئ في نفسه ، وقد يراد بهما اعتبار حال الشئ في الذهن .
أما الأول فهو أن يكون ذلك المحمول لذلك الموضوع واجب الثبوت في نفسه من حيث هو هو ، مع قطع النظر عن العقول والأفهام . وأما الثاني فهو أن يكون المعتبر كيفية حكم العقل بذلك . فان حكم حكما جزما فذاك هو الضروري بحسب الذهن ، وان توقف ولم يجزم بالحكم ، فذاك هو الممكن بحسب الذهن .
والفرق بين الأمرين : أن كون العالم قديما إما أن يكون ممتنعا في نفس الأمر أو يكون واجبا في نفس الأمر ، واما أن يكون جائزا في نفس الأمر . وذاك باطل لان كون الشئ منتقلا من العدم إلى الحدوث ومن الحدوث إلى العدم أمر ممتنع في نفسه . فثبت : أن اتصاف العالم بالعدم ليس على سبيل الامكان في نفس الأمر البتة . فأما في الذهن فالامكان قائم . لأنه قبل قيام الدليل على أحد الطرفين يكون كل واحد منهما مجوزا . وهذا التجويز والامكان بحسب الذهن قائم . فثبت :
أن الجواز والامكان بحسب الأمر ( في ) نفسه غير حاصل . فثبت : أن الجواز والامكان بحسب الذهن والعقل حاصل ، فوجب القطع بأن الامكان في نفس الأمر مغاير للامكان الذهني ، وأن حاصل الأمر في الجواز الذهني الشك والتوقف عن الحكم . وأما الجواز بحسب الأمر :
فهو جزم الذهن بأنه في نفسه غير ممتنع أصلا . فثبت بما ذكرنا : أن الشئ قد يكون واجب الثبوت في نفسه وان كان ممكنا بحسب الذهن .
وأما عكسه وهو أن يكون الشيء ممكنا في نفسه وان كان واجب الثبوت في الذهن ، فهذا أيضا كثير الوجود . وذلك أيضا يدل على الفرق المذكور .
المسألة العاشرة في اعتبار حال القضايا بحسب نسبة محمولاتها إلى موضوعاتها
اعلم : أنا قبل الخوض في المقصود نقدم مقدمتين :
المقدمة الأولى : ان القضية لا تكون قضية الا إذا ثبت محمولها إلى