وأما الكم الذي زعموا أنه جنس للمتصل والمنفصل . ففيه أبحاث :
البحث الأول : لا نسلم أنه قد حصل بين هذين القسمين قدر مشترك يمكن جعله جنسا . وتقريره : أن القدر المشترك بين هذين القسمين أمور ثلاثة : قبول المساواة واللامساواة ، وقبول التجزي ، وكون كل واحد منهما بحال يمكن أن يكون جنسا . لأنك قد علمت : أن قبول الشئ للشئ لو كان أمرا ثابتا ، لكان قبول ذلك القبول زائدا عليه . ويلزم التسلسل .
وأيضا : فبتقدير أن يكون ثابتا ، هو نسبة . والنسبة خارجة عن ماهية المنتسبين . بقي أن يقال : الجنس مفهوم مشترك تعرض له هذه الأحكام ، لكنه لا يبعد أن يكون خصوص كونه متصلا ، يوجب هذا الحكم ، وخصوص كونه منفصلا يوجبه . لما ثبت أن الماهيات المختلفة لا يمتنع اشتراكها في لازم واحد .
البحث الثاني : هب أن الكم جنس . فلم قلتم : ان التقسيم بالمتصل والمنفصل تقسيم بالفصل ؟ ثم الذي يدل على فساده : أن الانفصال عبارة عن عدم الاتصال عما من شأنه أن يتصل ، فهو عدم مع قبول . وقد ثبت أن كل واحد منهما خارج عن الماهية .
البحث الثالث : قولكم : المتصل اما قار واما غير قار . ولا شك أنه تقسيم لا بالفصل . والا لزمكم أن تكون الكيفيات المسماة بالانفعاليات مخالفة بالماهية للكيفيات المسماة بالانفعالات ، وأن تكون الحال مخالفة بالماهية للملكة . وأيضا : فكونه غير قار الذات إشارة إلى العدم ، فلا يكون فصلا .
السؤال السادس : لا نسلم أن الزمان كم متصل .
ويدل عليه وجوه :
الأول : ان الكم المتصل هو المنقسم إلى جزءين يتلاقيان على حد واحد . وقسما الزمان هما الماضي والمستقبل - وهما معدومان - والحد المشترك هو الآن الحاضر - وهو موجود - فيلزم أن يقال : أحد المعدومين متصل بالمعدوم الثاني بطرف موجود . وهذا لا يقوله عاقل .
شرح عيون الحكمة — صفحة 100
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٠٠