واما مناقضة الآراء المكتوبة في النفس فقد تقصّى ذلك أرسطو في الأولى من كتابه في النفس « 1 » فلنضع هذا التصور كذلك مجملا .
فأما الفحص عن النفس « 2 » فإن أرسطو يشرع فيه على هذا النحو الذي نقوله :
لما كانت الأنفس بعضها متقدمة بالطبع وبعضها متأخرة ، وأشدها كلها تأخّرا النفس المتخيلة ، فإن الحس يتقدمها .
وقد يظن « 3 » أنه يكون حيوان لا تخيّل له كالدود والذباب « 4 » ، وان كان له تخيل فليس بمفارق للحسّ ولا هو محصل .
وأقدم قوى الحس كلها اللامسة ، وقوة الحسّ تتقدمها القوة الغاذية ، فالقوة الغاذية أقدم قوى النفس كلها .
فأما القوة الناطقة وان كانت نفسا فهي أشد تأخّرا في الطبع على جهة ما يتأخر الكامل عن الناقص في الطبع .
فلذلك يبدأ أرسطو « 5 » في الفحص عن النفس الغاذية ، وهذا النوع من النفس له قوتان : إحداهما قوة النموّ والأخرى قوة التوليد . فالقوة الغاذية تتقدم الجميع ، فهي إذن أقدم قوى النفس .
هامش
( 1 ) قارن أرسطو :Arist . : De An . I . 3 . 406 a 1.
( 2 ) والظاهر أن ابن باجة أراد بالأنفس هاهنا قوى النفس .
( 3 ) وابن باجة لا يرجح هذا الرأي ويوافق أرسطو في قوله ان الدود مثلا له حسّ وحركة وأيضا تخيّل ونزوع . كما يستفاد من قوله « قد يظن » .
راجع أرسطو :De An . II . 2 413 b 20 - 32 ; 414 a 1 ; 29؛ وأيضا ابن رشد : تلخيص كتاب النفس ، الأهواني ص 174 .
( 4 ) قارن ابن رشد : تلخيص النص ، الأهواني ص 13 .
( 5 ) قارن أرسطو :Aristotle : De Anima . II . 4 . 415 a 23.