والنفس والهيولى والدهر والخلاء وفساد هذه الأقاويل وأشباهها انما يظهر بالدلالة المذكورة على أن واجب الوجود يستحيل أن يكون أكثر من واحد وأما القائلون بان واجب الوجود واحد فقد اختلفوا على قولين منهم من قال إنه تعالى لم يكن في الأزل فاعلا ثم صار فيما لا يزال فاعلا وهم المليون بأسرهم ومنهم من قال إنه كان في الأزل فاعلا لهذا العالم وهم أكثر الفلاسفة ثم ذكر الشيخ من أدلة القائلين بان الحوادث الماضية بذاته ثلاثة أوجه أحدها أنه لو لم يكن للحوادث الماضية بذاته لكان قد دخل ما لا نهاية له في الوجود وذلك محال فان كل ما دخل في الوجود فقد حصره الوجود وما لا يتناهى لا يكون محصورا وثانيها أنه لو لم يكن للحوادث الماضية أول لتوقف حدوث الحوادث اليومية على انقضاء الحوادث التي وجدت قبل ذلك فإذا كانت الحوادث التي انقضت قبل ذلك غير متناهية كان حدوث الحوادث اليومية متوقفا على انقضاء ما لا نهاية له وما يتوقف حدوثه على انقضاء ما لا نهاية له كان محالا أن يدخل في الوجود فوجب أن يكون حدوث الحوادث اليومية ممتنعا ولما لم يكن كذلك علمنا أن الحوادث الماضية متناهية وثالثها وهو أن كل وقت يتجدد فإنه يزداد فيه عدد الحوادث الماضية وكل ما يتطرق اليه الزيادة والنقصان فهو متناه فالحوادث الماضية متناهية ثم إن الشيخ بعد أن فرغ من الدلالة على أن للحوادث بذاته ذكر أقوال القائلين بحدوث العالم في ان اللّه تعالى لم لم يقدم خلق العالم على الوقت الذي خلقه فيه ولم يؤخره عنه وذكر من تلك الأقاويل ثلاثة أحدها قول المعتزلة الذين يقولون العالم وجد حين كان أصلح لوجوده وثانيها قول الكعبي وطائفة أخرى انه لم يمكن وجوده الا حين وجد وهؤلاء لعلهم لا يقولون إنه كان قبل ذلك ممتنعا لذاته ثم انقلب ممكنا بل يقولون إنه قبل حدوثه نفى محض وعدم صرف وليس له تخصص ولا تميز فيستحيل الحكم عليه بالامكان والامتناع وثالثها قول أكثر الفرق وهو أنه لا يتعلق وجوده بحيز وبشيء آخر بل بالفاعل ولا يسئل عما يفعل وبيانه هو أن اللّه تعالى فاعل مختار والفاعل المختار يمكنه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر لا لمرجح فان الهارب من السبع الضاري إذا عن له طريقان متساويان في جميع الأمور المعتبرة فإنه لا بد وان يسلك أحدهما لا لمرجح وكذلك العطشان جدا إذا خير بين قد حين من الماء متساويين من الوجوه فإنه يختار أحدهما لا لمرجح وكذلك الجائع المخير بين رغيفين إلى غير ذلك من الصور وهاهنا لا يخلو اما أن يمنع من امكان حصول التساوي وهو مكابرة أو يقال عند حصول التساوي لا يختار أحدهما بل يصير حتى يموت جوعا وعطشا أو يفترسه السبع وهو أيضا مكابرة ولما فرغ من شرح مقالة القائلين بالحدوث قال وبإزاء هؤلاء قوم من القائلين بوحدانية الأول يقولون أن واجب الوجود بذاته واجب في جميع صفاته وأحواله الأولية فاعلم أن هذا هو العمدة الكبرى للقائلين بالقدم وهو أن ما لأجله كان واجب الوجود مؤثرا في العالم اما أن يكون أزليا أو لا يكون فإن كان فاما أن يجب ترتب الأثر عليه أو لا يجب فإن لم يجب كان حصول الأثر مع كل تلك الاعتبارات ولا حصوله ممكنا والممكن لا بد له من مؤثر فالمؤثر مع كل تلك الاعتبارات الكافية في المؤثرية لا بد له من أمر آخر فلا تكون الاعتبارات الكافية كافية هذا خلف وان وجب ترتب الأثر عليه لزم من قدم المؤثر قدم جميع الأمور المعتبرة في المؤثرية قدم الأثر واما القسم الثاني وهو أن يقال الأمور التي لأجلها أثر اللّه في العالم غير أزلية فهي حادثة والحادث لا بد له من مؤثر والكلام فيه كالكلام في الأول ولزم التسلسل وذلك التسلسل ان كان دفعة فهو محال على ما مر في النمط الرابع وان كان كل واحد منها مسبوقا بالآخر لا إلى أول لزم القول بحوادث لا أول لها واعلم أن الشيخ قد أدخل في هذه الحجة الجواب عن قول من قال العالم انما حدث حين حدث لأنه أصلح في ذلك الحين وعن قول من قال انما كان كذلك لأنه لو لم يكن ممكنا قبل ذلك لكان اختصاص تجدد تلك الأصلحية وذلك الامكان بذلك الوقت دون ما قبل
وما بعد لا بد له من سبب واما القول الثالث وهو أن القادر كاف في الترجيح فالشيخ قنع في ابطاله بدعوى الضرورة في أن كل ممكن لا بد له من سبب والخصوم ينازعون فيه في الصور المعدودة واعلم أن الجواب عن هذا الكلام أنه تعالى فاعل مختار فلا جرم أنه تعالى أراد احداث العالم في الوقت المخصوص دون ما قبله وما بعده فلئن قالوا فلم أراد على هذا الوجه دون سائر الوجوه فاعلم أن لنا في الجواب عن ذلك وجوها ومعارضات استقصينا القول فيها في سائر كتبنا وقول الشيخ واجب الوجود بذاته واجب الوجود في جميع صفاته وأحواله الاوّلية فيه فائدة لان واجب الوجود بذاته ليس واجب الوجود في جميع صفاته على الاطلاق لان من جملة صفاته الإضافات فإنه تعالى تارة يكون قبل وتارة يكون بعد وتارة يكون مع وهذه الصفات متزيلة فلا يمكن اطلاق القول بأن واجب الوجود بذاته واجب الوجود في جميع صفاته بلى انه واجب الوجود في جميع صفاته الاوّلية وأما الإضافات فإنها لا تكون صفات أوّلية بل هي صفات ثانوية عارضة للذات بسبب الصفات الأول وأما قوله وانه لا يتميز في العدم الصريح حال الأولى فيها به ان لا يوجد شيأ أو بالأشياء أن لا يوجد عنه أصلا وحال بخلافها فاعلم أن المراد منه الرد على من قال انما حدث في ذلك الوقت لأنه صار أصلح أو لأنه صار ممكنا وتقريره ان العدم الصرف لا تفاوت فيه أصلا
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 242
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٤٢