Skip to main content

شرح الفخر الرازى على الاشارات — Page 159

Contributors:

P.159
على مقدمات أولها ان الشيء الذي منا يحل فيه العلوم العقلية ليس بجسم ولا جسماني وانما يحتاج إلى هذه المقدمة حتى يتبين امتناع وجود خزانة متحفظ فيها الصور المنمحية عن العقل وثانيها ان الادراكات الخمسة الباطنة حاصلة لقوى جسمانية وانما احتجنا إلى هذه المقدمة حتى يمكن اثبات خزانة يتحفظ الصور المنمحية فيها وثالثها ان شعور القوة بما يدركه هو نفس ارتسام ذلك المشعور به واحتج على ذلك بقوله أرأيت لو غابت القوة عن تلك الصورة ثم عاودتها والتفتت إليها هل يكون قد حدث هناك غير تمثلها ولقائل أن يقول أنا ألزم ذلك ولا يكفى في ابطاله مجرد الاستفهام على سبيل الانكار لا سيما وقد مضت الأدلة القاهرة على اثبات ذلك وانما احتجنا إلى هذه المقدمة حتى تبين ان النفس متى كانت غافلة عن الصور المعقولة فان تلك الصور لا يمكن أن تكون موجودة فيها إذ لا معنى لتعقلها الا نفس حصولها فيها فيستحيل غفلتها عنها عند حصولها فيها ورابعها ان القوى المدركة الباطنة لها خزانة للحفظ فيها ما يغيب عنها فان الحس المشترك خزانته الخيال والوهم خزانته الحافظة ثم إن ما يزول عن الحس والوهم من الصور أمور فقد يكون ذلك ان تلك الصور يتحفظ في خزانة الحس والوهم وقد لا يكون كذلك فإن كان الأول صارت تلك الأمور لائحة حاضرة عند اقبال القوتين المدركتين أعنى الحس المشترك والوهم الا بتجشم كسب جديد ولقائل أن يقول انا قد أعرضنا على هذه الأصول فيما مضى ولكنا نقول الآن انها بتقدير الصحة مناقضة للمقدمة الثالثة لان المعاني الوهمية حين ما تكون متحفظة في الخزانة إذا لم يكن مشعورا بها وحين ما تكون في القوة الوهمية يكون مشعورا بها وكذا الصور المحسوسة حين ما يكون متحفظة في الخيال إذا لم يكن مشعورا بها وحين ما تكون في الحس المشترك مشعورا بها فلو لا ان الشعور بالشيء مغاير لمجرد حصول ذلك الشكل له والا لكانت الخزانة شاعرة بتلك المعاني لأنها حاصلة فيها فلئن قالوا الشعور ليس عبارة عن حصول المشعور به للشيء مطلقا بل للقوة الشاعرة والخزانة وليس لها قوة شعور فنقول ان هذا الشعور ان كان هو مجرد الحصول كان الشاعر ماله الحصول وحينئذ يعود الالزام وان كان غيره فقد توجه الكلام وإذا ثبت ان الشعور مغاير للحصول بطلت المقدمة الثالثة وثبت انه لا يلزم من حصول هذه الصور في النفس كأنها شاعرة بها فاذن لا يلزم من عدم شعور النفس بها عدم حصولها في النفس وخامسها ان خزانة القوة يجب أن تكون مغايرة للقوة وهذه المغايرة لا تحصل الا إذا كانت القوة موجودة في جسم وخزانتها تكون موجودة في جسم آخر ولما كان الحس المشترك والوهم قوتين جسمانيتين صح أن يكون لهما خزانتان مغايرتان لهما وأما النفس الناطقة لما لم تكن جسمانية استحال أن تكون لها قوة تكون خزانة لها فان قيل لم لا يجوز أن يكون للنفس قوتان إحداهما أن تكون مدركة والأخرى تكون خزانة لها كما أن لها قوتين عملية ونظرية فنقول القوة التي هي خزانة النفس اما أن تكون موجودة فيها أو مباينة عنها فان كانت موجودة فيها كانت الصور الموجودة في تلك القوة موجودة للنفس فيعود المحال وان لم تكن موجودة في النفس كان شيأ مباينا عن النفس ويجب أن لا يكون جسما ولا جسمانيا لان محل الصور العقلية هكذا يجب أن يكون وذلك هو الذي نطلبه وإذا ثبت هذه المقدمات فنقول كما أن زوال المعاني الوهمية قد يكون بحيث لا يحتاج في استحضارها إلى تجشم كسب جديد وقد يحتاج فيه إلى ذلك كذلك زوال الصور العقلية عن العقل قد يكون بحيث يحتاج في استحضارها إلى تجشم كسب جديد وقد لا يكون كذلك وقد ذكرنا ان عدم الحاجة إلى تجشم كسب جديد في المعاني الوهمية لان تلك المعاني كانت محفوظة في قوة هي خزانة الوهم وذكرنا انه يمتنع أن يكون للنفس الناطقة خزانة وذكرنا أيضا ان تلك الصور العقلية يمتنع أن تكون باقية في النفس عند غفلة النفس عنها فلم يبق الا ان هاهنا موجودا خارجا عن جوهرها تكون الصور العقلية موجودة فيه فإذا حصل بين نفوسنا وبينه اتصال ما ارتسم من ذلك الجوهر في نفوسنا الصور العقلية الخاصة بذلك الاستعداد وإذا أعرضت عنه النفس إلى شيء آخر اما إلى لبدن واما إلى صورة أخرى زالت الصورة تمثلت أولا ومثال النفس المرآة المتخيلة فإنه متى حوذى بها شيء آخر زالت الصورة الأولى وإذا عرفت ذلك فنقول الشيء الذي منه تفيض على نفوسنا هذه الصور العقلية هو العقل الفعال فهذا حاصل الكلام في هذا الفصل ولنحرر هذه الحجة على طريق التقسيم فنقول انا إذا علمنا شيأ فقد حصلت فينا فإذا غبنا عن ذلك المعلوم استحال أن تكون حقيقته باقية فينا إذ لا معنى للعلم الا حصول تلك الصور في النفس فمتى كانت تلك الصور باقية في النفس استحال أن لا تكون النفس شاعرة بها ثم إن تلك الصور اما أن تكون متحفظة في قوة أخرى وهي خزانة لأنفسنا وانه محال لان تلك الخزانة ان كانت