واحد واما كثير . فليتئد في غلوائه ، وليكف من غرب لسانه ، وليتهم نفسه ، وليعتبر بالعالم المحسوس الخسيس الذي هو بين اطباقه ، بنحو ما اعتبر به « حيّ بن يقظان » ، حيث كان ينظر فيه بنظر آخر ، فيراه كثيرا كثرة لا تنحصر ، ولا تدخل تحت حد . ثم ينظر فيه بنظر آخر ، فيراه واحدا .
الكثرة في الوحدة من خصائص العالم المحسوس ، وليست من خصائص العالم الإلهي
وبقي في ذلك مترددا ، ولم يمكنه ان يقطع بأحد الوصفين دون الآخر .
هذا ، فالعالم المحسوس منشأه الجمع والافراد ، وفيه تفهم حقيقته ، وفيه الانفصال والاتصال ، والتحيز والمغايرة ، والاتفاق والاختلاف . فما ظنه بالعالم الإلهي الذي لا يقال فيه كل ولا بعض ، ولا ينطق في امره بلفظ من الالفاظ المسموعة ، الا وتوهم فيه شيء على خلاف الحقيقة ، فلا يعرفه الا من شاهده ؛ ولا تثبت حقيقته ، الا عند من حصل فيه .
واما قوله : « حتى انخلعت عن غريزة العقلاء ، واطرحت حكم المعقول » ، فنحن نسلم له ذلك ، ونتركه مع عقله وعقلائه . فان العقل الذي يعنيه هو وأمثاله ، انما هو القوة الناطقة التي تتصفح اشخاص الموجودات المحسوسة ، وتقتنص منها المعنى الكلي . والعقلاء الذين يعنيهم ، هم ينظرون بهذا النظر . والنمط الذي كلامنا فيه فوق هذا كله ، فليسد عنه سمعه من لا يعرف سوى المحسوسات وكلياتها ، وليرجع إلى فريقه الذين «
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
» « 1 » .
فان كنت ممن يقتنع بهذا النوع من التلويح والإشارة إلى ما في العالم الإلهي ، ولا تحمل الفاظا من المعاني على ما جرت العادة بها في تحميلها إياه ، فنحن نزيدك شيئا مما شاهده « حي بن يقظان » في مقام الصدق الذي تقدم ذكره ، فنقول :
الجزء السادس : سلسلة الفيوضات
الفلك الاعلى
انه بعد الاستغراق المحض ، والفناء التام ، وحقيقة الوصول ، شاهد الفلك الاعلى الذي لا جسم له ، ورأى ذاتا بريئة عن المادة ، ليست هي ذات الواحد الحق ،
هامش
( 1 ) سورة الروم الآية 7