بالحقيقة تابع لهذا التصوّر الثاني ، لا انّه هو بعينه . واليقينيّات إما اوّليّات ، وإما تجربيّات ، وإما محسوسات ، وإما متواترات « 1 » . وكل هذه يدخل في البرهان ، وما سوى هذه المقدمات مما عددناه في ما تقدّم فلا مدخل له في البرهان . وكما انّ التصديق بالشيء يتفاوت بحسب المقدمات فكذلك التصوّر أيضا يتفاوت بالحدّ والرسم ، فان الحدّ أقوى من الرّسم . والحدّ هو الدّالّ على الماهيّة ، والمعنىّ بالماهيّة حقيقة الشيء ، التي بها هو ما هو . والتّصديق يسبقه لا محالة تصوّر ، فانّ معاني الالفاظ المفردة متصوّرة وغير مصدق بها . وكذلك الالفاظ المركّبة الّتي تركيبها تركيب تقييد . والأقوال الجازمة متصوّرة اوّلا ثم يصدّق بها .
ومعنى التصوّر « 2 » هو تصوّر أنّ تلك الأقوال الجازمة وجودها وعدمها في الأعيان كما هو متصوّر في النفس ، اى كما حصل منه صورة معقولة من نسبة أوقعت بين حدّيها في النّفس ، كذلك الحال في الوجود في « 3 » الأعيان ، وبوجه ما في نفس الامر .
وكل تعليم « 4 » وتعلّم فبعلم قد سبق ، لا سبقا زمانيّا ، بل سبقا ذاتيا ، حتّى الصّناعات أيضا ؛ فانّ النّجارة انّما يمكن ان يتعلّم بعد سبق المعرفة بالخشب والمنشار وما يجرى مجراهما .
والتعليم والتعلّم الذّهنى « 5 » انّما يكونان بعد قول قد تقدّم : مسموع « 6 » أو أو معقول . ويجب ان يكون ذلك القول المعقول اوّلا يعقل بوجه يؤدّى إلى العلم بما بعده ، ان لم يكن بالفعل فبالقوّة .
هامش
( 1 ) - ج : واما مشاهدات واما فطريات .
( 2 ) - ض ج : ومعنى التصديق .
( 3 ) - ض ، والأعيان .
( 4 ) - انظر الفصل الثالث من المقالة الأولى من الفن الخامس من منطق الشفاء
( 5 ) - ج ، الذهنيان
( 6 ) - ج ، بمسموع