إلا أنه إن كان يعقل شيئا آخر غيره خارجا « 1 » عنه ، فذلك الشئ هو المتسلط على أن يعقل العقل ، وليس جوهر العقل حينئذ عقلا بذاته ، ولا ذلك العقل منه ببسيط فيكون جوهرا ليس في غاية الفضيلة . لأنه إنما صار في غاية الفضيلة لأنه عقل وعاقل . فإن كان معقوله من خارج ، فذلك « 2 » هو الأفضل والأشرف ، لأنه سبب وعلة لأن يعقل العقل فيكون العقل سبب المعقولات . وكل ما كان بسبب غيره فهو أخسّ من الشئ الذي جعل سببه . فيكون العقل بالقوة ، ويكون من الواجب أن يتعبه اتصال الفعل ودوامه ، فإنه يوجد في جميع الأشياء التي تخرج من القوة إلى الفعل تعب واسترخاء عن الفعل .
ويكون العقل يعقل ما هو من طبيعة أفضل ، أو أشياء خسيسة ؟ ويجب أن ينفى عن الأول قبول صورة الأشياء الخسيسة ، ونقول إنه يعقل التي غاية « 3 » في الشرف ؛ فإنه إن كان يعقل الأشياء الخسيسة فهو يستفيد الشرف من أخس الأشياء ، وذلك يجب أن يهرب منه .
فإنه الّا يستفيد البصر أشياء أولى من أن يبصر « 4 » . فيجب أن يكون ما يعقله في غاية الفضيلة والإلهية . أفترى ما يعقله دائما شئ « 5 » واحد أو أشياء كثيرة ؟ وإن كانت أشياء كثيرة فهل عقله لها كلّها معا ، أم بالتصفح منه لواحد واحد وتركه واحدا وإقباله على آخر ؟
فإنه تتبع هذه الأحوال شناعة ، لأنه إن كان يعقل دائما شيئا واحدا بعينه فإمّا أن يكمل بذلك عقله أو لا يكمل . فإن كان يكمل به فهو ناقص . وإن كان لا يكمّله فلا عقل « 6 » له ولا اكتفاء . وإن كانت الأشياء التي يعقلها كثيرة وكان عقله بالتصفح لواحد واحد فيحتاج إلى ذكر واستفادة شئ ليس هو له . وإن كان عقله للأشياء في دفعة واحدة بلا مدة ، فهل يكمل بها عقله ، أو لا يكمل فيلبث غير تام ؟ ومع ذلك فليس يمكن في الطبع أن يعقل الأشياء كلها معا . ففي جميع هذه الأشياء يجب البراء من القول بأن العقل الأول يستفيد العقل بجميع الأشياء أو لأشياء كثيرة ، لكن عقله لشئ واحد فقط .
وذلك الشئ هو في غاية الفضيلة . فعقله إذن لذاته وليس يلحقه إذا كان كذلك شئ من
هامش
( 1 ) ن : خارجة .
( 2 ) أي هذا المعقول الخارجي هو الذي سيكون الأفضل والأشرف من العقل .
( 3 ) لعل هنا تقديما وتأخيرا والأصل هو : التي في غاية الشرف .
( 4 ) أي أن بعض الأشياء عدم رؤيته أفضل من رؤيته .
( 5 ) شيئا واحدا ؟
( 6 ) أي تعقل .