وهذا الكون أعنى به العقل ، إذ الأول كما أخبرت لا يليق به شئ من الصفات المعقولة .
فأما العقل فلاستحقاقه اسم التكوين جاز أن ينسب إليه الفعل الإرادة المعقولة ، إذ الإرادة من العلّة الأولى غير معقولة ، إذ هي - أعنى هذه الإرادة - فوق العقل ، والعقل واجب فيه الإدراك ، والإدراك يكون بالحركة المعقولة ، لا الحركة التي تكون في الأجسام المحسوسة .
وإذ قد بينت الحركة المعقولة وجاز في العقل الانفصال لما استحق من اسم التكوين ، وكانت الحركة من الصفات ، والصفة لا تكون إلا لجوهر « 1 » ، جاز ثبات ما قدمنا كون الجوهر المتحرك وهو النفس البسيط - هذا رأى اسقلبيوس . فأما أفلاطون فيقول إن العقل لاستحقاقه اسم التكوين استحق اسم الحاجة وجاز عليه فاحتاج إلى مركب وحامل ، فجعل النفس ليكون حاملا له . وإنما أخبر من كل قول بالبعض منه وأومأ إلى الرأي فيه ؛ فأمّا إخراجه على جهته فيغمض ويختلط « 2 » على الناظر فيه .
قال أفلاطون : فالعقل ما به أدركنا ، والنفس ما به قدرنا .
قال أحمد : الإدراك والقدرة من صفات العقل والنفس . فالعقل يحوى الصفتين ، أعنى الإدراك والقدرة ، ولا يجوز عليه أضداد هذه الصفات . والنفس خلو من الإدراك ، جائز عليه العجز .
قال أفلاطون : والعقل لا يداخل ، والنفس بخلاف ذلك .
قال أحمد : إن الجزء الحسّاس فينا هي النفس ؛ وظاهر أنه كثيرا ما تألم وتعترضها العوارض ؛ وذلك لا يكون إلا بمداخلة ؛ و ( أما ) العقل فإنه لا يشاركه في ذاته ضد .
وقد اعترض الفوثاغوريون على الفيلسوف في ذلك وقالوا إن الجهل والحمق في العقل كالألم في النفس - فكان من جواب الفيلسوف لهم في ذلك أن الجهل والحمق نفى العقل ، وليس الألم نفى النفس ، ولا يداخل الإدراك العقلي العمى الجهلى ، كما يداخل النفس الألم المؤذى .
ولا يجوز على النفس النفي كما يجوز على العقل ، لأنّ نفى النفس الموت وبطلان البنية ،
هامش
( 1 ) ص : جوهر .
( 2 ) ص : يخلط .