القول في أقسام البصر :
إنّ طبقات العامة ليست تعرف من أقسام البصر والرؤية الا ما استثبتته المقلة بقوتها ، وأدركته الحاسة بجبلّتها . وأما خواص الحكماء فانّهم يضيفونه إلى أقسام أربعة :
أحدها القسم الجسداني ، وهو ما تعرفه العامة ، وتشترك فيه « 18 » الحيوانات الجمّة . والثاني رؤية العقول الصحيحة لحقائق المعاني الكلية . وبهذا القسم من البصر « 19 » يفرق الكامل من الخليقة سائر ما عداه من البريّة .
والثالث رؤية الأرواح المقدسة لكنه ما استخرج « 20 » من الجواهر الروحانية ، وأن يسود الانسان بالرتبة الرفيعة إذا كان مرشحا للنبوة . والرابع رؤية النفوس الناطقة بفضل قواها المتخيّلة ؛ إما في النوم وإما في اليقظة ؛ تارة بالطبع وتارة بالصناعة .
وإذا كان الإبصار - عند الحكماء - مفتنّا إلى هذه الأقسام الأربعة ، ثم القسم العقلي منها قد سبق شرحه في آخر ما أوردناه من تفسيرنا لكتاب البرهان ، [ والقسم ] القدسي قد سبق شرحه أيضا عند القول في النبوّات من كتاب الارشاد / لتصحيح الاعتقاد ، والقسم الوهمي قد سبق شرحه في المقالة الرابعة من كتابنا في النسك العقلي والتصوف الملّي ، فلم يبق من أقسامها الا القسم الحسي ، وهو أقرب الأقسام كلّها مأخذا ، وأسهلها متناولا ، فقد أحسنت حين « 21 » نصصت عليه في المسألة « 22 » ، وحقّقت . الشغل على في الطلبة . غير أن التطارح « 23 » لهذا القسم أيضا قد تستقبله من المباحث الدقيقة ، والمعارضات اللطيفة ، ما يصعّب الخوض فيه ، ويغمض النظر في معناه ، نحو التعرّف بأن الادراك بهذه الحاسة هو من فعل الروح الحسيّ أم هو من فعل البدن الطبيعيّ أم هو من جملة ما ينسب إلى
هامش
( 18 ) ص : فيها .
( 19 ) ص : القصر .
( 20 ) ص : استخرجها . والمعنى : ما استنبط .
( 21 ) ص : حسن .
( 22 ) ص : المسلة .
( 23 ) ص : التنازح .