وإذا كانت العناية في تعرّف ما طالبتني به ، وسألتني عنه ، أمرا يوجبه العقل الصريح ، ويأمر به الدين الصحيح ، فبالحريّ أن تكثر حمد اللّه على ما قيّضك له ، ونبّهك عليه ، من الجدّ في تحصيله ، والتشمر لتحقيقه . ولا سيما في هذا العصر المدبر الذي عظم البلوى فيه بغلبة من يتصدى للسياسة قبل أوقات الرئاسة ، ويتمنى ذرى الرفعة بقوى المكر والخدعة ؛ بل يمكّن لأغبى « 10 » الطغام على ذوي الحكم والأحلام ، ويوهمهم « 11 » أنّ الملة الحنيفية مضادة لما جنح إليه أهل الحذق والبصيرة ، من التفكر في ملكوت السماوات والأرض ، والتدبر لصنوف آيات اللّه تعالى في الخلق ؛ وأنّ من مال إلى تعرّف شيء من آثار الحكمة ، أو استعمل أدب اللّه سبحانه في حسن الرويّة « 12 » ، فقد / ، تدنّس بالخلاعة والعناد ، واتسم بالزندقة والالحاد . كأن الدين الحقيقي عندهم مقترن بالسّفه والغباوة ، وكأنّ الهدى والرشد موكول ، بزعمهم ، إلى التعامس « 13 » والبلادة ؛ كلّ ذلك حيل منه لاستصفاء الحق لطبقاته ، ولاستخلاص الصواب لغواته « 14 » .
ولعمري إنّ هذه الطوائف قد بلغوا من عظيم ضررهم وظاهر آفاتهم إلى أن صيّروا العلوم سبّة لدى « 15 » الدهماء ، وإصابة الحكم نقيصة عند الرؤساء ، وتعرّف الحقائق عارا على ذوي الألباب ، والتوسع في المعارف تنكّبا عن الحق والصواب ؛ بل صيّروا الأفهام الذكيّة ، والأفكار القويّة ، والعقول الزكيّة ، والأنفس الأبيّة ، كلّها حسرى مضيّعة ، وطرحى مشنيّة « 16 » ، بل صيّروا الإسلام - على شرفه وقوة أركانه - عرضة لطعن الطاعنين ، وهدفا لثلب الملحدين . واللّه لجماعتهم بالمرصاد ، وإليه مآلهم « 17 » يوم أكثروا التناد . وهو جلّ جلاله لا يصلح عمل المفسدين ، ولا يهدي كيد الخائنين . وبيده الحول والقوة ، ومنه التوفيق والعصمة .
هامش
( 10 ) ص : في اغى .
( 11 ) ص : وتوهمهم .
( 12 ) ص : الرؤية .
( 13 ) ص : التغامس .
( 14 ) ص : لفواته .
( 15 ) ص : سنّة لد .
( 16 ) ص : مسبيئة .
( 17 ) ص : ماءلهم .