اللّه المنزلة ، كأنه اشعر بأنّها لطردها ولعنها اسلم . ولو طرد في غيره من الكتب ، لاسلم وانقاد وما تمرّد عن العناد .
وقوّة هذا القوّة وضعفها قد يكون فطريّة ، وقد يتأتّى بكسب . إذ هي جرمانيّة قابلة للذبول والانحلال بتقليل الطّعام والشّراب ، وتكثير السّهر والاضطراب ، ورفض الخفض والدّعة ، وترك الرفاهيّة والسّعة ، وكلّ ما يضادّ قوّتها ويكسر سورتها . كما أشار ، عليه السّلام ، وصيّة لعائشة ، رضى اللّه عنها : « ان الشّيطان ليجرى بابن آدم مجرى الدم ، الا فضيّقى مجاريها بالجوع والعطش » . ومدح نفسه بعدم الاكل والشّرب » ، فقال : « وهو يطعم ولا يطعم » . صرّح بان الاطعام من شيم الكرام ، (
a
223 - 59 ر ) والاستطعام من اخلاق اللئام ، لتقريبه إلى مقام البهائم والانعام . وقال الجنيد ، رضى اللّه عنه : « الجوع طعام اللّه في الأرض » ، إلى غير ذلك من كلمات لا تعدّ ولا تحصى .
ولهذا اعتادت الصوفية القعود في الخلوات ، وارتاضت جوب الفلوات ، رياضة للجسد ومجاهدة مع قواه ، وذبحا لشموس النّفس الشّهوانىّ ، ونحر الجمل الحقود الغضبىّ ، تقرّبا بقرا بينها إلى قربة المشاهدة والمواجهة ورتبة المكالمة والمشافهة . ومن هاهنا زعمت الضعفاء انّ النبوّة كسبيّة . فالخاصيّة الأولى موهوبة والباقيتان موكولتان ( م 148 پ ) إلى قدر الخليقة بمعاونة الحقّ .
وهذه الخواصّ الثلث قد أوتيت لمحمّد ، عليه السّلام ، على ما حكى اللّه عن اعطائها ايّاه بقوله :
« إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ »
. هي صفاء جوهر النّفس الياقوتيّة ، لا يمكن تحصيله بالكسب ، فلهذا خصّه بالاعطاء . وقد عرفت كون روحه كوثرا (
b
223 ) ، حيث عرفت انّه بحر بمكّة ، كان عليه عرش الرحمن .
« فَصَلِّ لِرَبِّكَ »
، إشارة إلى استعمال القوّة النظرية والعملية ، وهي الصلاة والصّوم ، أو التزكية والتحلية ، على اختلاف العبارات . وتحصيل هذا المقام كسبىّ ، فلهذه امره بالصّلاة .
« وَانْحَرْ »
، إشارة إلى ذبح جموح القوّة الخباطة وقربانها ، لينجوا من معاوقتها وممانعتها .
فالحاصل ان النّفس التي من جوهر اللّاهوت متى تشبّهت بتلك المبادى في وصفى العلم والعمل ، تفعل فعلها ، وان كان انقص منه ، إذ هي تخلقت باخلاق اللّه . وهذا