داخلا في وسط المدح والذمّ لكنّا إذن أدخلناه في باب النهايات . وليس هو « 1 » كمثل ما قلنا ، فإنه ليس فوقه نهاية ينالها بفعله . فهذه العلة الشريفة ليس وراءها نهاية استوجبت [ 173 ] اسم الفضل بنيلها تلك النهاية ، فلم تسمّ فاضلة باسم النهاية ، بل باسم التمجيد والتحميد ؛ فأما العقل فإنه إنما ينال هذا الاسم الشريف بنيله لهذه النهاية ، ولذلك قيل إنه فاضل . وأيضا فإن الباري لهذه الأجرام السماوية لما حذاها من عالم الطبيعة قال لها :
« خلقتكم غير واقعين تحت الموت البتة . وأنتم آلهة لهذا العالم ومدبروه » - وذلك أنه في عالم الطبيعة مثله في العوالم العالية ، فلذلك وهب لهذه الأجرام الدوام والبقاء وعدم الفساد .
فأما أجزاء عالم الطبيعة فإنها إنما انحلت لأنها مركبة ؛ وإنما ماتت وفسدت لأنها بعيدة من الحياة الدائمة . غير أنا نعلم أن الأشياء العالية في الجملة كليات حاصرات « 2 » لما تحتها من ذلك ، إن نصعد من الحواس إلى العقل فنرقى من الأشخاص إلى الأنواع ثم إلى الأجرام حتى نصل إلى الشئ الكلى الحاصر لهذا الكل وأجزائه . وكذلك صعودنا في العوالم العالية من القريبات منا المجانسة لنا ؛ ثم نرقى إلى عالم العقل ، ثم عالم الربوبية ، فإننا « 3 » نصير بهذه الجهة إلى العلة الأولى التي هي أكرم من كل شئ بما تحوى من العوالم المطابقة لها بنيلها ، بما وهب للأجرام السماوية من السلطان والقدرة والحياة المدبّرة لعالمها .
قال أفلاطون : وقد نسأل لم أبدع الباري هذا العالم ، ولم أحدث الكون ؟
فنقول : للفضيلة « 4 » التي هو أهل أن يمجّد بها ، وأنه أراد أن يفيض بفضله وجوده وخيره على الأشياء بقوته وإرادته البريئة من كل حسد ونقص على قدر ما يقوى كل واحد من الموجودات على قبول ذلك الفيض والخير . وهذه هي العلّة الأولى الحق التي من أجلها وجد هذا العالم .
وقال أنباذقليس : لا يسوغ أن يكون للعلة الواحدة إلا معلول واحد . فإن كان للعلة معلولات كثيرة لزم أحد أمرين : إما أن تكون هذه المعلولات في دفعة واحدة ، وإما أن
هامش
( 1 ) ص : هي .
( 2 ) ص : فإنها نصير .
( 3 ) ص : حاضرات ( بالضاد المعجمة ) .
( 4 ) ص : الفضيلة .